كتب: عبد الرحمن سيد
وسط واقع يطغى عليه الفقد والنزوح، اختار فلسطينيان في غزة أن يفتحا صفحة جديدة من حياتهما من المكان الذي لجآ إليه بحثا عن الرعاية والرفقة، ففي دار لرعاية المسنين بمدينة غزة، لم يكن الثلاثاء 22 سبتمبر يوما عاديا، بعدما تحولت الدار إلى موقع لحفل زفاف سعيد النجار، البالغ من العمر 79 عاما، وهيام ياسين، 59 عاما.
وبمراسم بسيطة، تزوج العروسان داخل الدار
التي يقيمان فيها، بحضور عدد من أقاربهما ونزلاء المكان.
وظهرا في صور المناسبة وسط أجواء احتفالية
محدودة، في مشهد يختلف عن حفلات الزفاف المعتادة، ليس فقط بسبب المكان، وإنما أيضا
بسبب الظروف الاستثنائية التي تحيط بسكان قطاع غزة.
لكن وراء هذه المناسبة قصة إنسانية تتجاوز
تفاصيل الزواج نفسه، إذ فقد النجار زوجته خلال الحرب على قطاع غزة، بينما فقدت ياسين
زوجها وابنها.
وبعد أن عاش كل منهما تجربة قاسية مع الفقد، جمعتهما دار رعاية المسنين في مدينة غزة، لتتحول هذه المساحة التي توفر الرعاية إلى نقطة بداية لعلاقة جديدة في مرحلة متقدمة من العمر.
ولم تكن الدار مكانا عابرا في حياة سعيد
النجار، إذ سبق أن تحدث عنها عام 2022، بعد التحاقه بها، وقال إنها ساعدته على الخروج
من العزلة والتعرف إلى أصدقاء جدد.
وبعد سنوات، عاد المكان نفسه ليشهد محطة
مختلفة في حياته، بعدما ارتبط بهيّام ياسين، التي وصلت بدورها إلى الدار عقب فقدان
زوجها وابنها.
ومن هنا، تبدو دلالة المناسبة أوسع من مجرد
حفل زفاف داخل دار للمسنين فالمكان الذي وفر للاثنين الرعاية والرفقة أصبح شاهدا على
انتقالهما من الوحدة والفقد إلى محاولة بناء حياة مشتركة جديدة، في وقت لا تزال فيه
تداعيات الحرب تلقي بثقلها على كبار السن في القطاع.
وتأتي هذه القصة في ظل ظروف بالغة الصعوبة يعيشها المسنون في غزة، إذ قالت وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية إن الحرب والنزوح المتكرر وتشتت الأسر وفقدان شبكات الرعاية العائلية والاجتماعية زادت هشاشة هذه الفئة.
وأوضحت الوزارة في سبتمبر 2026 أن عدد المسنين
في قطاع غزة يقترب من 90 ألف شخص، وأن كثيرا منهم يواجهون صعوبة في الوصول إلى الغذاء
والدواء والمياه والخدمات الصحية، فضلا عن الآثار النفسية والاجتماعية المرتبطة بفقدان
أفراد من الأسرة والنزوح.
وفي ظل هذا الواقع، تتزايد الحاجة إلى توفير
مساحات قادرة على احتضان كبار السن بعدما تضررت شبكات الدعم التقليدية. وفي أغسطس،
بحثت دائرة المسنين في وزارة التنمية الاجتماعية مع مؤسسات أهلية في غزة سبل تعزيز
الرعاية المقدمة لهذه الفئة، في وقت وصفت فيه الوزارة المسنين بأنهم من أكثر الفئات
هشاشة وتضررا من ظروف الحرب.
وامتدت التحركات إلى إطلاق الوزارة في وقت
سابق من العام مشروع "بيت الأجداد" لإنشاء مركز لرعاية المسنين في القطاع،
بعدما أدى تضرر مؤسسات الرعاية إلى ترك أعداد من المسنين، وبينهم من فقدوا معيلهم،
من دون رعاية كافية.
وفي ظل هذه الصورة الأوسع، يأتي زواج سعيد
النجار وهيام ياسين كواقعة إنسانية لافتة داخل واقع مثقل بالخسارة فبعد أن فرّقت الحرب
بينهما وبين أقرب الأشخاص إليهما، جمعتهما دار الرعاية نفسها، التي لم تعد بالنسبة
إليهما مجرد مكان للإقامة، بل أصبحت شاهدة على بداية جديدة في حياة اختبر فيها كل منهما
الفقد والوحدة قبل أن يختارا معا استكمال الطريق.









