كتب: عبد الرحمن سيد
وسط تصاعد التحديات التي تضغط على الاقتصاد
العالمي، من اضطرابات التجارة والطاقة إلى المخاطر التكنولوجية المتسارعة، أطلقت مجموعة
السبع الصناعية الكبرى رؤية شاملة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد الدولي، مؤكدة أن التعاون
متعدد الأطراف لا يزال الخيار الأكثر فاعلية لمواجهة مرحلة تتزايد فيها الضبابية الاقتصادية
وتتسع فيها الاختلالات المالية والتجارية.
وخلال القمة التي استضافتها مدينة إيفيان
الفرنسية على مدار ثلاثة أيام، جدد رؤساء دول وحكومات مجموعة السبع (G7) التزامهم بالعمل
المشترك من أجل تعزيز النمو الاقتصادي والمرونة والتنمية، بما يضمن تحقيق ازدهار أكثر
استدامة وشمولًا على المستوى العالمي.
وأكد القادة، في بيان مشترك بعنوان "من أجل نمو أكثر توازنا واستدامة ومرونة"، أن الهدف الرئيسي يتمثل في تلبية احتياجات الاقتصاد العالمي ومواجهة المخاطر المتزايدة التي تهدد مسار النمو، إلى جانب توسيع نطاق الحوار والتنسيق مع الشركاء الدوليين.
وشهد البيان دعما من الدول الشريكة للمجموعة،
وهي مصر وكينيا وجمهورية كوريا، التي أيدت التوجهات الواردة فيه والرامية إلى بناء
اقتصاد عالمي أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات.
سلاسل إمداد الطاقة والمدخلات الزراعية
وأقر قادة المجموعة بأن الاقتصاد العالمي
لا يزال يتعامل مع تداعيات صدمات سابقة وتحولات هيكلية أثرت على التجارة والاستثمار
الدوليين، مؤكدين أن حالة عدم اليقين الحالية رفعت مستوى المخاطر المحيطة بالنمو الاقتصادي.
وأشاروا إلى أن الضغوط المتزايدة على سلاسل
إمداد الطاقة والمدخلات الزراعية والأسمدة انعكست بصورة مباشرة على الشركات والمزارعين
والأسر حول العالم، خاصة في الدول الأكثر هشاشة.
وشدد القادة على أن الاستعادة السريعة لحركة
العبور الحرة والآمنة عبر مضيق هرمز، دون فرض رسوم إضافية، والتوصل إلى تسوية سريعة
للنزاع القائم، يمثلان عنصرين أساسيين للحد من التداعيات السلبية الحالية ودعم مسار
نمو عالمي أكثر توازنًا واستدامة.
كما جددوا التزامهم بضمان استقرار أسواق
الطاقة والمواد الخام وتعزيز شفافيتها وكفاءتها، مؤكدين أن الوصول إلى الطاقة بأسعار
ميسورة يمثل أولوية استراتيجية للاقتصاد العالمي.
تحذير من القيود التجارية
ودعا قادة مجموعة السبع جميع الدول إلى
الامتناع عن فرض قيود تعسفية على الصادرات، مؤكدين أهمية الحفاظ على التدفقات التجارية
الآمنة، لا سيما تجارة منتجات الطاقة في ظل الظروف الراهنة.
كما تعهدوا بتنسيق استجابات السياسة العامة
بصورة مؤقتة ومحددة الأهداف ومسؤولة ماليًا، بما يحد من الآثار السلبية للأزمات دون
خلق اختلالات جديدة.
ورأى القادة أن التطورات الأخيرة تؤكد الحاجة
الملحة إلى بناء اقتصادات أكثر مرونة من خلال تنويع سلاسل الإمداد وتعزيز موثوقيتها،
إلى جانب تطوير أنظمة طاقة أكثر كفاءة واستدامة.
إنشاء احتياطيات استراتيجية فعالة
وفي إطار تعزيز القدرة على إدارة الأزمات،
شدد البيان على أهمية التعاون داخل المؤسسات الدولية المعنية، وعلى رأسها الوكالة الدولية
للطاقة (IEA)، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة.
كما شجع القادة الدول المستوردة للنفط على
إنشاء احتياطيات استراتيجية فعالة تتماشى مع معايير الوكالة الدولية للطاقة، والتي
تنص على الاحتفاظ بمخزون يكفي لمدة 90 يومًا، بما يسهم في الحد من التقلبات وحماية
الأسواق من الصدمات المفاجئة.
إصلاح منظمة التجارة العالمية
وفي ملف التجارة الدولية، أعادت المجموعة التأكيد على التزامها بمبادئ استقرار أسعار الصرف، مشيرة إلى تنامي الإدراك داخل منظمة التجارة العالمية (WTO) بضرورة تحديث آليات المنظمة لتواكب التحولات الجارية في الاقتصاد العالمي.
ودعا القادة إلى إطلاق نقاشات بناءة تفضي
إلى إصلاحات جوهرية تعزز فعالية المنظمة وقدرتها على الاستجابة للتحديات المعاصرة.
وأعربت دول المجموعة عن قلقها من استمرار
وتوسع الاختلالات الاقتصادية العالمية، مشيرة إلى أن الممارسات غير القائمة على آليات
السوق تسببت في تشوهات ممتدة داخل الأسواق الدولية والإقليمية والمحلية.
وأكد القادة أن هذه الممارسات تؤدي إلى
فائض هيكلي في القدرات الإنتاجية واختلالات تجارية متزايدة، فضلًا عن تعميق الاعتماد
الاقتصادي بصورة قد تهدد الاستقرار العالمي.
كما شددوا على أهمية تعزيز أمن سلاسل الإمداد،
خاصة في القطاعات الاستراتيجية والحيوية، بما يشمل التقنيات الحيوية والتكنولوجيات
المتقدمة، بهدف تقليل الاعتماد المفرط والحد من مخاطر تسرب التكنولوجيا.
الذكاء الاصطناعي
وفي ظل القفزة الكبيرة التي تشهدها نماذج
الذكاء الاصطناعي، طالب قادة المجموعة وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بمواصلة
دراسة الفرص الاقتصادية التي توفرها هذه التقنيات، إلى جانب تقييم المخاطر المحتملة،
خصوصًا داخل القطاع المالي.
كما دعوا إلى تكثيف التنسيق بين الجهات
الرقابية والمؤسسات المالية الدولية وشركات التكنولوجيا لفهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي
على الإنتاجية وأسواق العمل والاستقرار المالي.
ولم يغفل البيان الجانب الأمني، إذ حث مجموعة
خبراء الأمن السيبراني التابعة للسبع على تعزيز تبادل المعلومات وتطوير أفضل الممارسات
للتعامل مع التحديات المستجدة المرتبطة بالتطور السريع لهذه النماذج.
وأكد القادة كذلك مواصلة العمل لتعزيز جاهزية
الأنظمة المالية للمخاطر والفرص المرتبطة بالتقنيات الكمية، مع التركيز على تأمين سلاسل
الإمداد الخاصة بهذا القطاع الواعد، بما يتوافق مع توصيات مجموعة عمل البنوك المركزية
التابعة للمجموعة.
اختلالات عالمية
وأبدى قادة السبع قلقهم البالغ من اتساع
الاختلالات العالمية خلال السنوات الأخيرة، معتبرين أنها تشكل تهديدًا مباشرًا لهدف
تحقيق نمو عالمي متوازن واستقرار مالي مستدام.
وأشاروا إلى أن هذه الاختلالات ترتبط بصورة
كبيرة بالفجوات القائمة بين معدلات الادخار والاستثمار، إضافة إلى نماذج النمو المحلية
والسياسات القطاعية والمالية، فضلًا عن الممارسات غير المرتبطة بآليات السوق.
وأكدوا أن معالجة هذه الفجوات تمثل مصلحة
مشتركة للدول التي تحقق فوائض خارجية وتلك التي تعاني من عجز، محذرين من أن تأجيل الإصلاحات
المطلوبة قد يؤدي إلى تصاعد التوترات التجارية ويفتح الباب أمام تصحيحات اقتصادية غير
منظمة.
وفي ختام البيان، شدد القادة على أهمية العمل الجماعي لتقليص الاختلالات العالمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي، داعين صندوق النقد الدولي (IMF) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى مواصلة مراقبة تأثير السياسات الاقتصادية للدول الكبرى على التوازنات العالمية.
قمة "التقارب العالمي من أجل النمو"
كما رحبوا بانعقاد قمة "التقارب العالمي
من أجل النمو" في 11 يونيو الجاري، مؤكدين رغبتهم في توسيع التنسيق مع الاقتصادات
الكبرى الأخرى بشأن معالجة جذور الاختلالات الاقتصادية العالمية.
واختتمت مجموعة السبع بيانها بالتعهد بمواصلة
هذه الجهود ضمن إطار مجموعة العشرين (G20) تحت الرئاسة الأمريكية،
معتبرة أن بناء اقتصاد عالمي أكثر توازنا ومرونة لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة
ملحة لضمان الاستقرار والازدهار في السنوات المقبلة.



