تمرّ حركة حماس بمرحلة دقيقة ومعقّدة، لا يمكن فصلها عن التحوّلات العميقة التي فرضتها الحرب الأخيرة على قطاع غزة، ليس فقط على مستوى الواقع الميداني والإنساني، بل في داخل الحركة نفسها. فبعيدًا عن الخطاب العلني الذي يركّز على الصمود والاستمرار، تتكشف في الكواليس ملامح أزمة داخلية متصاعدة، عنوانها الأبرز الضائقة الاقتصادية وتآكل الثقة التنظيمية.

تشير معطيات من داخل القطاع إلى أن التدهور الحاد في الأوضاع المعيشية انعكس مباشرة على البنية الداخلية للحركة. فمع تقلّص الموارد، وغياب انتظام الدعم المالي، يجد كثير من الكوادر والعناصر أنفسهم أمام واقع ضاغط، يدفعهم للبحث عن وسائل فردية لتأمين احتياجاتهم الأساسية، في ظل شعور متزايد بأن العبء يُلقى عليهم وحدهم.

ويتحدث مطّلعون عن حالة إحباط تتنامى في صفوف العاملين ميدانيًا، ترتبط بإحساس بالفجوة بين القيادة والقاعدة، وبأن القرارات تُتخذ من مسافة بعيدة عن الواقع اليومي في غزة. هذا الإحساس، بحسب المصادر، لا يُترجم في شكل تمرّد علني، لكنه يترك أثره على الانضباط، وعلى مستوى الالتزام، وعلى نظرة العناصر لدورهم ومستقبلهم داخل الحركة.

هذه المؤشرات تتقاطع مع مشهد رمزي لافت تمثّل في الطريقة التي مرّت بها ذكرى تأسيس الحركة هذا العام. فبعد سنوات من المهرجانات والاستعراضات العسكرية، بدت المناسبة أقرب إلى إحياء داخلي محدود، بلا مظاهر علنية تُذكر. ويرى مراقبون أن هذا التحوّل لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، بل يعكس إدراكًا بأن المرحلة لم تعد تحتمل خطاب القوة التقليدي، في ظل خسائر بشرية وتنظيمية واسعة واستنزاف طويل الأمد.

في الشارع الغزّي، تتعمق المسافة بين الناس والحركة. فالسكان الذين يواجهون دمارًا شبه شامل، ونقصًا حادًا في الخدمات، وبطالة متفاقمة، باتوا أكثر حساسية تجاه أي خطاب لا يلامس أولوياتهم اليومية. ويعبّر كثيرون عن شعور بأن النقاشات السياسية الكبرى تجري بمعزل عن معاناتهم المباشرة، ما يزيد من حالة التململ والبرود تجاه القوى السياسية عمومًا.

وتزداد هذه الحساسية مع تداول نقاشات حول ترتيبات محتملة تتعلق بمستقبل قيادة الحركة في غزة، بما في ذلك سيناريوهات المغادرة أو إعادة التموضع خارج القطاع، ضمن تفاهمات إقليمية ودولية أوسع. فحتى من دون قرارات معلنة، فإن مجرد طرح هذه الأفكار يثير تساؤلات حادّة لدى السكان حول مفهوم المسؤولية، ومن يتحمّل تبعات ما بعد الحرب.

يرى محللون أن التحدي الأخطر أمام حماس اليوم لا يكمن فقط في الضغوط الخارجية أو الشروط الدولية، بل في قدرتها على إدارة أزمتها الداخلية، والحفاظ على تماسكها التنظيمي في ظل واقع اقتصادي خانق، ومزاج شعبي متغيّر، ومرحلة سياسية غامضة. فالحركات، كما يشير أحد الباحثين، “قد تصمد أمام الضربات العسكرية، لكنها تتآكل من الداخل حين تفقد قدرتها على إقناع أفرادها بعدالة التوزيع ووضوح الأفق”.

في المحصلة، تبدو حماس أمام اختبار مختلف عمّا واجهته في السابق. اختبار لا تُحسم نتائجه بالسلاح أو الخطاب، بل بمدى قدرتها على قراءة التحوّلات العميقة في غزة ما بعد الحرب، وإعادة صياغة علاقتها مع مجتمع أنهكته الخسارة، ويبحث اليوم عن إجابات تتجاوز شعارات الماضي.