اكتظت الشوارع الرئيسية في قطاع غزة منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي وحماس بآلاف النازحين العائدين إلى منازلهم، أو ما تبقى منها، بعد أكثر من خمسة عشر شهرًا على اندلاع الحرب.
وبرغم أن وقف الحرب منح الغزيين بصيصًا من الأمل،
إلا أن العودة إلى الشمال حملت معها واقعًا أشد قسوة نظرًا لحجم الدمار الذي لحق
بالأبنية والبنى التحتية.
"لم أتمكن من التعرف على بيتي"، يقول أحد العائدين وهو يبحث وسط
الحطام عن أي شيء من بقايا منزله، قبل أن يضيف بصوت مختنق:
"كل شيء انتهى".
وبحسب شهود عيان، فإن الرائحة الكريهة المنبعثة
من بعض الأحياء كانت كفيلة بجعل العودة أكثر قسوة، حيث لا تزال جثث مدفونة تحت
الأنقاض، فيما يتعفن بعضها في العراء دون أن يتمكن الأهالي من دفنها بسبب الركام
وغياب فرق الإنقاذ.
وأكد الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في غزة،
محمود بصل، أن طواقم الجهاز تمكنت من انتشال رفات 153 شخصًا منذ بدء تنفيذ وقف
إطلاق النار، مشيرًا إلى أن محافظة الشمال تحولت إلى "مقبرة جماعية"، في ظل استحالة انتشال الجثث دون دخول
معدات ثقيلة.
ويرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن
سعادة الغزيين والفلسطينيين عمومًا بوقف الحرب حملت في طياتها الكثير من الألم
والتساؤلات حول المستقبل، في ظل حجم الدمار غير المسبوق الذي تم الكشف عنه مع عودة
النازحين شمالًا.
ويضيف سوالمة أن الكثير من الفلسطينيين يتساءلون
بعد كل هذه الفترة عن جدوى تأخر وقف الحرب، وعن الجهة التي ستتحمل مسؤولية إعادة
إعمار منازلهم التي هُدمت.
ويرى سوالمة أن التحدي الحقيقي الآن أمام حركة حماس والوسطاء هو كيفية تحويل الهدنة المؤقتة إلى وقف مستدام لإطلاق
النار، لتجنيب قطاع غزة أهوال تصعيد عسكري جديد لا طاقة للغزيين به.
أكبر دمار في تاريخ غزة
تسببت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في دمار
غير مسبوق، حيث كشفت تقارير أن حجم الحطام الناتج عن الحرب بلغ ما يعادل 17 ضعف
إجمالي حطام جميع الحروب بين إسرائيل والقطاع منذ عام 2008.
ووفقًا لبيانات منظمات دولية، بلغ حجم الحطام في
قطاع غزة نحو 51 مليون طن عام 2024، وهو ما قد يستغرق 21 عامًا على الأقل لإزالته
بالكامل.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، فقد
تسببت آلة الحرب الإسرائيلية في مقتل أكثر من 46 ألف فلسطيني، في حين دُمّرت
البنية التحتية في أنحاء القطاع بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية.
كما أعلنت الأمم المتحدة أن ثلثي الأراضي
الزراعية في القطاع قد دُمّرت بسبب القصف وآثار المركبات العسكرية، ما يزيد من
المخاوف بشأن قدرة القطاع على توفير الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
وبالرغم من أن إعلان وقف إطلاق النار أتاح لأهالي
غزة ليلة هادئة لأول مرة منذ أشهر، إلا أن القلق لم يغب عنهم، إذ لا تزال مشاعر
الخوف من انهيار الهدنة مسيطرة على الأجواء. يقول أحد السكان:
"قد نكون نجونا من القصف، لكننا الآن
في معركة البقاء وسط هذا الدمار، لا مياه، لا كهرباء، لا مأوى".
أسئلة بلا إجابات
مع بدء تنفيذ الهدنة، تتزايد التساؤلات حول مدى
استدامتها، وعن مصير آلاف العائلات التي فقدت كل شيء. وبينما تتعالى أصوات القيادة
الفلسطينية لمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لإعادة الإعمار، لا تزال
المخاوف قائمة من أن تكون هذه التهدئة مؤقتة فقط، وليست حلًا دائمًا.
وفي حين وعدت الإدارة الأمريكية الجديدة بأنها لن
تدخل في حرب ليست حربها، إلا أن تصريحات ترامب التي حملت إشارات حول انفتاح واشنطن
على مخططات لتهجير الغزيين من القطاع الى دول الجوار مصر والاردن، بحجة عدم صلاحية القطاع للسكن، تثير هذه التصريحات المعلنة مخاوف
كبرى لدى الفلسطينيين الذين هُجِّروا قبل عشرات السنوات دون أن يتمكنوا من العودة
إلى قراهم ومنازلهم في الداخل.
ويثبت تاريخ الحروب والصراعات أن المواجهة لا
تنتهي بمجرد انتهاء الأعمال العسكرية، فالمواجهة خلال فترة السلام قد تكون أكثر
مصيرية في تاريخ النزاعات. لذلك، على القيادة الفلسطينية، بمختلف توجهاتها، أن
تحسن قراءة الوضع الحالي وتتجنب الانصياع وراء الشعارات والعواطف دون التفكير
ببراغماتية سياسية صلبة قادرة على تجنيب القطاع سيناريوهات استئناف الحرب أو،
الأسوأ، التهجير.








