في الخامس والعشرين من أبريل/نيسان 2016، أعلن وليّ العهد السّعودي، محمد بن سلمان، عن تفاصيل "رؤية 2030" التي تركّز على تنويع التنمية الشاملة من خلال الاعتماد على تنويع الاستثمارات، بهدف المرور إلى مرحلة ما بعد الاعتماد الكلّي على عائدات النفط.
وبعد مرور أكثر من خمس سنوات، على انطلاق "رؤية 2030"، بدأت بعض المشاريع، منها "نيوم"، و"مدينة الملك سلمان للطاقة"، و"السعودية الخضراء"تظهر، لتظهر الرغبة السعودية في المضيّ قدمًا نحو تحقيق أهداف "رؤية 2030" برغم التحدّيات الكبرى.
وتساءل تقرير نشرته "سبوتنيك عربي" في يونيو 2020، عن مدى نجاح المملكة في تحرير اقتصادها مما اعتبره "إدمان النفط"، مضيفًا "هل سنشهد قريبًا اقتصادًا متنوّعًا؟، وأين وصلت السّعودية في طريقها لتحقيق رؤية 2030؟".
جوهر "رؤية 2030"
قال الملك سلمان بن عبد العزيز، إنّ: "جوهر "رؤية 2030" التي تبنّتها المملكة يكمن في تحقيق الازدهار وخلق مستقل أفضل يكون فيه "اقتصادنا رائدا ومجتمعنا متفاعلا مع جميع العالم"، مضيفًا "لقد قطعنا أشواطا كبيرة من خلال السنوات الخمس منذ انطلاق هذه الرؤية الطموحة في دعم الصناعات المحلية وتطوير البنية التحتية وتقنيات الاتصالات وحلول الطاقة والاستثمار في قطاعات عدة بالإضافة إلى تمكين المرأة والشباب وتحسين جودة الحياة للجميع".
وقال المدير التنفيذي لمشروع "نيوم"، المهندس نظمي النصر، لصحيفة الشرق الأوسط: "نحن فخورون للغاية بأن تكون "نيوم" حجر الزاوية في رؤية 2030"، موضحًا "أنّ تقدُّمنا الفعلي وإنجازاتنا في هذا المشروع تعكسها شواهدُ كثيرةٌ وواقعيّةٌ، حيث أصبحت "نيوم" اليوم واقعًا ملموسًا بعدما كانت فكرة وتصورًا للمستقبل، وليس أدل على ذلك من إطلاقنا لمشروع (ذا لاين) الذي يمثل أيقونة للمدينة العالمية الحضرية صديقة البيئة، الخالية من الانبعاثات الكربونية، والمدينة النموذج لما تتطلع إليه البشرية في الحفاظ على كوكب الأرض والتي تتسق مع معطيات جودة الحياة وتفعيل الطاقة النظيفة التي ستكون هي المشغلة لجميع المرافق في "نيوم" بنسبة 100%".
وأضاف نظمي النصر، في تصريحٍ لصحيفة الشرق الأوسط "ستُبنى جميع الأعمال بشكلٍ متّسقٍ ومتّصلٍ من خلال إطارٍ رقميٍّ يشمل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات".
كما أنّ مشروع "ذا لاين"، سيشكل أساسًا متينًا لبناء اقتصاد المعرفة لاحتضان الكفاءات، والعقول العلمية، والمهارات من مختلف المجالات لخدمة البشرية. وسيسهم في إضافة 48 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للسعودية".
مشاريعٌ طموحةٌ ضمن "رؤية 2030"
رصدت المملكة السعودية 500 مليار دولار لإطلاق مشروع "نيوم" في 2017، ويتمثل في بناء منطقةٍ تجاريةٍ وصناعيةٍ، على مساحة تبلغ 26.5 ألف كيلومتر مربع، في مجالات تشمل الطاقة والمياه والتكنولوجيا الحيوية والطعام والتصنيع المتطور والترفيه.
ويتضمّن مشروع "نيوم" المدن الذكية، ومناطق البحث، ومناطق المشاريع، وأماكن الترفيه، بهدف جذب أكثر من مليون مقيمٍ، وسائح من جميع أنحاء العالم.
وحول مشروع "نيوم"، قال المهندس نظمي النصر، الرئيس التنفيذي لشركة "نيوم"، إنّ: ""نيوم" ليست فقط مشروعًا عالميًا يعمل بتسارعٍ كبيرٍ لتجاوز كلّ التحدّيات التي يعيشها العالم على مختلف المستويات، في سبيل تقديم حلول للحياة والاقتصاد والتطور، ولكنه يحمل مسؤوليةً كبيرةً في رسم ملامح المستقبل على مستوى العالم، والإسهام في تحقيق تقدم البشرية، وتجسيد الحاضرة التي تنبض بالحياة والنمو والطموح منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد إطلاق المشروع".
واعتبر الباحث في معهد الأبحاث الألماني بمدينة لايبزيغ، علي دوغان، في تقرير نشره المعهد الأمريكي "كرنيغي"، أنّ "مدينة "نيوم"، تشكّل بوصفها مشروع بن سلمان الضخم، أداةً أساسية له من أجل تثبيت سلطته في السعودية وتوطيد أمن النظام. في الأعوام الأخيرة، لجأ محمد بن سلمان بصورة متزايدة إلى استخدام "نيوم" مرتكزًا في جهوده الدبلوماسية. ومن المقرر أن تكون للمدينة منطقة اقتصادية مستقلة ذات نظام قانوني وضريبي خاص بها. والهدف الذي تسعى إليه الحكومة من خلالها هو تنويع الاقتصاد عبر تسويق مناطق اقتصادية جديدة عالية التقنيات".
وأضاف، دوغان، أنّ "موقع المدينة الجغرافي قريبٌ من الأسواق الدولية، وسوف تُشغَّل 100% بواسطة طاقة الرياح والطاقة الشمسية المتجدّدة. هذا فضلًا عن إطلاق مشروع "ذا لاين" في مدينة "نيوم"، وهو عبارة عن خطٍّ للمواصلات يمتدّ على طول 170 كلم، ومخصّصٍ لحركة القطارات والسيارات تحت الأرض من خلال نظام الذكاء الاصطناعي".
من "إدمان النفط" إلى "تنويع الاقتصاد"
أكد تقرير لـ"سبوتنيك عربي"، نشر في "يونيو 2020"، أنه "رغم الموازنة التريليونية التي وضعتها الحكومة السعودية لعام 2020، والإجراءات الإصلاحية التي اتخذها ولي العهد محمد بن سلمان، حقق اقتصاد المملكة خسائر كبيرةً، اضطرت معها الحكومة إلى تخفيض الموازنة، وكذلك موازنة برنامج الرؤية، وفرض إجراءاتٍ تقشفيةٍ قويّةٍ على القطاعيْن العام والخاص".
وشدّد على أنّ "انهيار أسعار النفط العالمية، وما تبعه من اتفاق تخفيض الإنتاج، مثّل ضربةً للاقتصاد السعودي، الذي يسعى إلى رفع إنتاج المعدّلات غير النفطية، وتقليل الاعتماد على النفط، لتفادي مثل هذه الأزمات مستقبلًا".
ولكن، برغم ذلك، فقد سجّلت المملكة أرقامًا متفائلةً، حيث شكّلت الإيرادات غير النفطية 33% من إجمالي إيرادات ميزانية السعودية للربع الأول من العام الجاري، لتبلغ 63.3 مليار ريال".
من جانبه، أشار الدكتور عبد الله المغلوث، عضو الجمعية السعودية للاقتصاد، إلى، أنّ "المملكة تتابع الظروف والتطورات بشكلٍ مستمرٍّ، وتحاول تقديم خططٍ مرنةٍ، حيث قامت باقتطاع 150 مليارًا من ميزانيتها، بحيث لا تزيد عن 5% من حجم الإنفاق في الموازنة، حيث تملك المملكة ميزانية ترليونية، والخفض الجزئي في بعض البنود يساهم في استمرارية العطاء".
وقال المستشار المالي والمصرفي والاقتصادي السعودي، ماجد بن أحمد الصويغ في تصريحٍ لـ"سبوتنيك عربي" أن "الإستراتيجية نجحت في الفترة الأخيرة في تسجيل مداخل غير نفطيةٍ، وصادراتٍ أكبر من قيمة الناتج المحلي، ورسمت خطةً لعوائد استثماريةٍ قادمةٍ غير نفطيةٍ، سواء من الجانب السياحي أو الترفيهي، والذي نجح نجاحا باهرًا قبل أزمة كورونا، ممّا يعني عودة هذه القطاعات بعد زوال الجائحة لتصبح روافد وطنيةً جديدةً لاقتصاد المملكة".
وأكد، أنّ "هناك مشاريع عملاقة قادمة سيكون لها أثر إيجابي في الدخل غير النفطي في المملكة العربية السعودية حتى الوصول إلى عام 2030 مثل مشروع "الجدية"، أو "نيوم" وغيرها من المشروعات العملاقة التي تعكف المملكة على تنفيذها".
مواجهة التحدّيات بتحرير الاقتصاد
وحول تحرير الاقتصاد السعودي من إدمان النفط، اعتبر المستشار ماجد الصويغ، أنّ: "الاعتماد على النفط ليس إدمانًا وإنما نعمة مَنَّ الله بها على المملكة"، مشيرًا إلى "وجود أهدافٍ مهمةٍ تتمثل في تنويع مصادر الدخل، وإدارة الاستثمارات والأصول الحالية، كي لا يكون النفط هو المصدر الرئيسي للمملكة، خاصة في ظل التحديات المتمثلة في هبوط سعر برميل النفط من 72 دولارًا إلى 21 فقط".
وكشف أنّ المملكة "تتّخذ إجراءاتٍ قويةً لمواجهة التحديات، عن طرق خطة مرنة، وتسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف الرؤية 2030، والتي تهدف إلى زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية من 43 مليار دولار إلى 263 مليارًا، وزيادة حصة القطاع الخاص من 40% إلى 65% من إجمالي الناتج المحلي، وزيادة الاستثمار الأجنبي المباشر من 3.8 إلى 5.7% من الناتج المحلي".
قبل أن يضيف أنّ السعودية: "تحاول خفض البطالة من 11.6 إلى 7% بحلول عام 2030، وكذلك زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل من 22% إلى 30، وخلق فرص عمل إضافية، وتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة من 20 إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي".
استشراف مستقبل "رؤية 2030"
أكد المستشار المالي والمصرفي والاقتصادي السعودي، في حديثه لسبوتنيك، أنّ "رؤية 2030" ستجعل من الاقتصاد السّعودي، متنوّعًا، قويًّا، لا يتأثر بأسعار النفط في الأسواق العالمية، وقال: "بالطبع، سيكون متنوعًا من سياحةٍ وإنتاجٍ وتصديرٍ، واستثماراتٍ مختلفةٍ، حيث أخذ الاقتصاد السعودي طابعًا إيجابيًا، وتغير الفكر نحو الإنتاجية، بفضل القرارات والإصلاحات الأخيرة التي اتخذها ولي العهد، محمد بن سلمان".
وتابع المستشار الاقتصادي السعودي: "نحن نلمس نتائج الخطوات الأولى التي اتخذتها السعودية في طريقها إلى تحقيق الرؤية، وبدأت تعطي ثمارها من زيادة الدخل للمنتجات غير النفطية، مما أتاح للمملكة أن تقوم بدعمٍ كبيرٍ للشركات، والقطاعات، والأفراد في ظلّ جائحة كورونا، ودعم القطاع الصحي ومعالجة جميع من هم على أرض المملكة العربية السعودية، وهذه النتائج المالية غير النفطية هي من دعّمت الوضع الحالي للمملكة".
وأضاف أنه، "سيتمّ شدّ الحزام، وتغيير النمط الاستهلاكي، والادّخاري، والاستثماري لدى الفرد والمجتمع، وكذلك لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة والعملاقة، التي كانت تبحث عن توسّعاتٍ قادمةٍ".
وأشار الصويغ، إلى أنّ النفط سيبقى مطلب العالم، حتى في ظلّ وجود سُبلٍ أخرى للطاقة، سواء الشمسية أو النووية، ورغم ذلك فإنّ السعودية تتطلّع لأن يكون القطاع غير النفطي، رافدًا مساويًا للقطاع النفطي لدخل المملكة من أجل مستقبلٍ مشرق للأجيال القادمة .








