تتابع الأوساط الفلسطينية تطورات الواقع السياسي في البلاد، بالتزامن مع إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس “أبو مازن” تحديد موعد الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، في وقت تواجه فيه السلطة أزمة مالية خانقة وانتقادات داخلية متزايدة بسبب استمرار دفع رواتب جزئية لموظفي القطاع العام.

وجاء المرسوم الرئاسي الصادر في 9 يوليو/تموز 2026 ليحدد موعد أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ نحو عقدين، على أن تشمل القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، إذا توفرت الظروف السياسية واللوجستية اللازمة لتنظيمها.

ويأتي الإعلان بعد سلسلة تعديلات قانونية سبقت المرسوم، أبرزها رفع عدد مقاعد المجلس التشريعي من 132 إلى 200 مقعد، وخفض سن الترشح من 28 إلى 23 عامًا، وتعديل بعض شروط القوائم الانتخابية، في خطوة قدمتها الرئاسة الفلسطينية باعتبارها جزءًا من توسيع المشاركة السياسية.

لكن هذه الخطوة لا تنفصل عن ضغوط متزايدة على السلطة الفلسطينية لإظهار مسار إصلاح سياسي ومؤسسي، خصوصًا بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات، وتراجع الثقة الشعبية، وتزايد المطالب الدولية والعربية بتجديد الشرعيات الفلسطينية.

وتقول السلطة إن الانتخابات تمثل محاولة لاستكمال العملية الديمقراطية وتجديد المؤسسات، فيما ترى أطراف فلسطينية أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان الموعد فقط، بل في ضمان مشاركة جميع المناطق، وخصوصًا القدس وغزة، وتوفير شروط انتخابية تسمح بمنافسة سياسية جدية.

وتطرح الانتخابات المقبلة أسئلة معقدة، أبرزها إمكانية إجرائها في قطاع غزة بعد الحرب والدمار الواسع، وموقف إسرائيل من مشاركة الفلسطينيين في القدس، إضافة إلى قدرة الفصائل الفلسطينية على الاتفاق على قواعد سياسية تمنع تكرار أزمة 2006 وما تبعها من انقسام.

وفي موازاة النقاش السياسي، تعيش السلطة الفلسطينية أزمة مالية عميقة أجبرتها على مواصلة سياسة صرف رواتب الموظفين جزئيًا، وصلت في بعض الأشهر إلى نحو 50%، وسط تأخيرات متكررة وتراجع حاد في القدرة الشرائية.

وتقول وزارة المالية الفلسطينية إن الأزمة مرتبطة بشكل أساسي باستمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، وتراكم الديون، ووصول قدرة الحكومة على الاقتراض من البنوك المحلية إلى حدودها القصوى.

ويقول موظفون إن استمرار صرف نصف الراتب جعلهم عاجزين عن تغطية الالتزامات اليومية، من إيجارات وقروض وتعليم ومصاريف صحية.

كما انعكست أزمة الرواتب على الأسواق المحلية في الضفة الغربية، حيث تراجعت الحركة التجارية في مدن عدة، وازدادت الديون الشخصية، وتأثر أصحاب المحال والمهن الصغيرة بانخفاض القدرة الشرائية لدى عشرات آلاف الموظفين.

وتواجه السلطة الفلسطينية انتقادات متزايدة حول أولويات الإنفاق العام، ومن بينها ملف ميزانية السفارات ومخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا، والذي ظل لسنوات من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين السلطة والمانحين، خصوصًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتعتبر واشنطن وتل أبيب أن النظام القديم لهذه المدفوعات كان يشكل عقبة أمام استئناف بعض أشكال الدعم، بينما ترى السلطة وقطاعات فلسطينية واسعة أن هذه المخصصات التزام اجتماعي تجاه عائلات فقدت مصادر دخلها أو تضررت من الصراع.

وفي عام 2025، أصدر الرئيس محمود عباس قرارًا بتغيير آلية الدفع ونقل الملف إلى مؤسسة التمكين الاقتصادي، على أن تصبح المساعدات مرتبطة بالحاجة الاجتماعية والاقتصادية، لا بمدة السجن أو الصفة السياسية للحالة.

ورغم ذلك، بقي الملف حاضرًا في الجدل الداخلي والخارجي. فهناك من يرى أن الإصلاح غير كافٍ ويطالب بمزيد من الشفافية في طريقة الصرف، وهناك من يرفض المساس بهذه المخصصات ويعتبرها جزءًا من الالتزام الوطني والاجتماعي تجاه عائلات الأسرى والجرحى والضحايا.

ومع استمرار الأزمة المالية، يطالب منتقدون داخل المجتمع الفلسطيني بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصًا في ظل تدهور قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية، واستمرار عجز الحكومة عن دفع رواتب كاملة لموظفيها.

ويرى هؤلاء أن الانتخابات، رغم أهميتها السياسية، لن تكون كافية لاستعادة الثقة إذا لم تترافق مع خطة اقتصادية واضحة، وشفافية في إدارة المال العام، وضمانات بأن الموارد المتاحة ستذهب إلى الرواتب والخدمات الأساسية والقطاعات الحيوية.

في المقابل، تقول السلطة إن الإصلاح السياسي والمالي يجري في ظروف استثنائية، وإن استمرار احتجاز أموال المقاصة يضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، ويجعل أي حكومة فلسطينية عاجزة عن العمل بصورة طبيعية.

وتراهن القيادة الفلسطينية على أن الانتخابات المقبلة قد تفتح الباب أمام شرعية جديدة، وتساعد في إعادة ترتيب العلاقة مع المانحين والدول العربية، خاصة إذا رافقتها خطوات إصلاحية في الإدارة والمالية والقضاء والحكم المحلي.

وبين إعلان الانتخابات واستمرار الرواتب الجزئية والجدل حول الإنفاق، تجد السلطة الفلسطينية نفسها أمام اختبار مزدوج: تجديد الشرعية السياسية من جهة، وإقناع الجمهور بأنها قادرة على إدارة الأزمة المالية بعدالة وشفافية من جهة أخرى.