تتجه مفاوضات التهدئة في قطاع غزة إلى واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، بعدما تحوّل ملف نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى العقدة الرئيسية أمام الانتقال من وقف إطلاق النار الهش إلى مرحلة إعادة الإعمار ونشر القوة الدولية داخل القطاع.

ولم تعد انتقادات نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لمجلس السلام في غزة، تبدو مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل باتت تعكس توجها أكثر صرامة داخل مجلس السلام، يرى أن استمرار السلاح خارج سلطة واحدة يجعل أي خطة لإدارة غزة أو إعادة بنائها قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.

وفي تقرير رفعه مجلس السلام إلى مجلس الأمن الدولي، اعتبر المجلس أن رفض حماس نزع سلاحها هو “العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الخطة الشاملة في قطاع غزة”، مؤكدا أن إعادة الإعمار لن تكون ممكنة قبل نزع السلاح ونشر القوة الدولية في غزة.

وتمنح هذه الصياغة التصعيد الأخير طابعا سياسيا أوسع، إذ لم يعد الأمر مرتبطا بانزعاج شخصي من ملادينوف، بل بموقف مؤسسي يربط بين التمويل الدولي، والإغاثة، والانتقال الإداري، وبين تفكيك البنية العسكرية للفصائل داخل القطاع.

وتتزامن هذه الضغوط مع استمرار اجتماعات في مصر بين عدد من الفصائل الفلسطينية والوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، في محاولة لتطوير اتفاق التهدئة وتجاوز نقاط الخلاف القائمة.

وتقول الفصائل المشاركة إن الأولوية يجب أن تكون لتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، خصوصا ما يتعلق بوقف الهجمات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات، وتخفيف القيود المفروضة على السكان، قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية.

في المقابل، تشترط إسرائيل، ومعها مجلس السلام، أن تكون بداية المرحلة الثانية مرتبطة بتنفيذ بند نزع السلاح، وتربط أي تقدم في خطط الإعمار أو الإغاثة بهذا الشرط، وهو ما ترفضه حماس وفصائل فلسطينية أخرى، وتعتبره محاولة لانتزاع ورقة القوة الأخيرة لديها قبل تنفيذ الالتزامات المقابلة.

وتكشف هذه المعادلة عن صدام عميق بين منطقين مختلفين.

فمجلس السلام يرى أن إعادة إعمار غزة في ظل بقاء السلاح بيد الفصائل ستعني ضخ أموال في بيئة غير مستقرة، يمكن أن تعود إلى الحرب في أي لحظة.

أما حماس فتعتبر أن الحديث عن نزع السلاح قبل وقف الهجمات الإسرائيلية وتنفيذ بنود المرحلة الأولى يمثل قلبا لترتيب الاتفاق، وانحيازا للرؤية الإسرائيلية، وتحويلا للكارثة الإنسانية في غزة إلى وسيلة ضغط سياسي.

وبحسب مصادر فلسطينية مشاركة في الاجتماعات، رفضت إسرائيل مطالب الوسطاء بتهدئة الميدان بالتزامن مع جولة المفاوضات، وواصلت عملياتها العسكرية في مناطق داخل القطاع، في رسالة اعتبرتها الفصائل محاولة للضغط بالنار على مسار التفاوض.

ويزيد ذلك من هشاشة الجولة الحالية، إذ تؤكد الفصائل أن أي وساطة لا يمكن أن تنجح في ظل استمرار القتل والحصار والعمليات الميدانية، بينما يصر مجلس السلام على أن غياب اتفاق واضح حول السلاح يمنع أي انتقال حقيقي إلى مرحلة جديدة.

وفي خلفية المشهد، ظهرت أيضا انتقادات لما يعرف بـ“خطة دحلان” لإدارة غزة، وسط تأكيد مصادر فلسطينية أن هناك لجنة وطنية انتقالية شُكلت لإدارة القطاع، وأن تعدد المقترحات قد يؤدي إلى إفشال أي مشروع جامع.

غير أن جوهر الأزمة يبقى في سؤال واحد: من يحكم غزة ومن يملك السلاح فيها بعد الحرب؟

هذا السؤال يفسر حدة خطاب ملادينوف في الأسابيع الأخيرة، إذ بات يحذر من أن استمرار الوضع الحالي قد يحول الانقسام داخل القطاع إلى واقع دائم، ويترك أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة ضيقة بين الركام والمخيمات المؤقتة، دون مسار واضح للإعمار أو الحكم أو الدولة.

وتدرك حماس أن نزع السلاح الكامل سيغيّر موقعها السياسي والأمني داخل غزة بصورة جذرية، وربما يضعها أمام مرحلة جديدة تفقد فيها القدرة على التحكم بمسار ما بعد الحرب.

لكن مجلس السلام يعتبر أن بقاء السلاح يعني بقاء غزة خارج أي أفق دولي جدي، لأن المانحين لن يضخوا أموالا في مشروع لا يملكون ضمانات لاستمراره، والقوة الدولية لن تنتشر في بيئة لا تزال خاضعة لقوى مسلحة غير مندمجة في سلطة واحدة.

ولهذا، تبدو تصريحات ملادينوف أقرب إلى إنذار سياسي منه إلى نقد تفاوضي. فهو لا يطالب فقط بتنازل من حماس، بل يحاول تثبيت قاعدة جديدة لمستقبل غزة: لا إعمار بلا نزع سلاح، ولا قوة دولية بلا ترتيبات أمنية واضحة، ولا إدارة مدنية قادرة على العمل في ظل تعدد مراكز القوة.

في المقابل، تحاول حماس دفع الوسطاء إلى مقاربة مختلفة، تبدأ من وقف الهجمات وتطبيق المرحلة الأولى، ثم البحث في الملفات السياسية والأمنية اللاحقة ضمن تفاهمات أوسع، لا ضمن شرط مسبق يفرض عليها تسليم سلاحها قبل الحصول على ضمانات ملموسة.

وبين هذين المسارين، تبدو غزة عالقة في منطقة رمادية خطيرة: لا الحرب انتهت بالكامل، ولا الإعمار بدأ، ولا الإدارة الجديدة تشكلت، ولا القوة الدولية انتشرت، ولا السكان حصلوا على الحد الأدنى من الاستقرار بعد شهور طويلة من الدمار والنزوح.

وتكمن خطورة اللحظة الحالية في أن ملف السلاح لم يعد تفصيلا مؤجلا في نهاية الخطة، بل أصبح بوابة كل شيء: المساعدات، الإعمار، الانسحاب الإسرائيلي، الإدارة المدنية، وحتى مستقبل حماس السياسي داخل القطاع.

وإذا استمرت حماس في رفض نزع السلاح، واستمر مجلس السلام في ربط إعادة الإعمار بهذا الشرط، فإن غزة قد تدخل مرحلة طويلة من الجمود، حيث تبقى الهدنة قائمة على الورق، بينما يستمر الواقع على الأرض مفتوحا على التصعيد، والانقسام، وإدارة حجم الدمار بدل الخروج منه.