كتبت: هدى
عبدالرازق
لم تعد مراسم
"الجرتق" السوداني مجرد جزء من حفل الزفاف في السودان، بل أصبحت رمزًا
بصريًا عابرًا للحدود، يُتيح للعالم نافذةً على أعماق الثقافة السودانية، ففي قاعة
تتلألأ بألوان الأحمر والذهبي، وعلى إيقاع الطبول والزغاريد يتصاعد دخان خشب
الصندل والعود ببطء، بينما تجلس العروس السودانية متألقةً بحجابها التقليدي، في مشهدٌ
يُذكر بلوحات وادي النيل القديمة.
ما هو "الجرتق"
السوداني؟
يُعدّ "الجرتق"
السوداني أبرز الطقوس التقليدية، إذ يعكس مزيجًا فريدًا من التراث العربي
والأفريقي، ويجسّد مفهوم "الوحدة في التنوع"، فهو ليس مجرد احتفال، بل
رحلةٌ لجلب الحظ السعيد وحماية العروسين من "العين الشريرة"، وفقًا
للتقاليد الشعبية.
أصول عادة
الجرتق السوداني
وأوضح صلاح
الأمين، الباحث في التراث السوداني والتاريخ الثقافي والدراسات الاجتماعية، في
تصريحات صحفية أن عادة الجرتق، كغيرها من العادات المرتبطة بالاحتفالات كحفلات
الزواج والختان، يُرجح أنها تعود أصولها إلى الممالك السودانية القديمة، وتحديدًا
منطقة شمال النيل في السودان، قبل أن تنتشر إلى المناطق المجاورة.
وأضاف أن الدليل على هذا الأصل هو غياب عادة الجرتق في العديد من المناطق المجاورة للسودان، باستثناء عادة مماثلة لدى الأمازيغ في مراسم زواجهم، مشيرًا إلى أنه عند اكتشاف آثار تعود للملكة أماني شخيتو، عُثر على أدوات يُعتقد أنها مشابهة لتلك المستخدمة في الجرتق، وأن أسماء بعض هذه الأدوات تحمل دلالات غير عربية.
سبب استخدام
اللون الأحمر في "الجرتق"
وأشار صلاح الأمين، إلى أن استخدام اللون الأحمر في "الجرتق" بحفل الزفاف، مع استخدام بخور الحليب وبعض العطور، يحمل دلالة دينية ترتبط بفكرة طرد الأرواح الشريرة، وهو اعتقاد شعبي راسخ في الوعي المحلي، حيث تبدأ طقوس "بخ الحليب" و"ص الوشاح" بوضع "الضريرة" وهو نوع من أغطية الرأس، على رأس العروس والعريس وسط بخور خشب الصندل، ثم يتبع ذلك طقس "رش الحليب"، حيث يشرب العروسان الحليب ويرشّانه على بعضهما البعض كرمز للنقاء والمودة.
ثم تأتي مراسم
"قص الوشاح"، حيث يقوم العريس بقص "الحريرة" المربوطة حول خصر
العروس، ويرمي الفاكهة على الحضور في مشهد بهيج مصحوب بأغانٍ شعبية حيوية، محولًا
الاحتفال من مناسبة شخصية إلى مشهد اجتماعي يعزز الروابط الأسرية.
وأضاف الباحث في
التراث السوداني والتاريخ الثقافي والدراسات الاجتماعية، أن بعض طقوس الجرتق تتضمن
أيضًا توجهات رمزية نحو النيل، حيث يُرافق العروسان إلى ضفافه، مما يؤكد على الصلة
الروحية والرمزية بالنهر كمصدر للحياة والبركة في المخيلة السودانية.
إدراج الجرتق
على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي
ومن الجدير
بالذكر أن اليونسكو، تقديرًا لقيمته الإنسانية، أدرجت الجرتق على قائمتها للتراث
الثقافي غير المادي في ديسمبر الماضي. ورغم تغير أنماط الحياة، لا تزال الجرتق
صامدة أمام اختبار الزمن، محافظةً على قدرتها على جمع العائلات حول صينية واحدة
تُجسّد تاريخ شعب بأكمله.









