كتب - محمد بكري

في خطوة عملية بدأت أواخر يوم 2 أبريل 2026، عبرت أول قافلة من شاحنات الوقود العراقية الأراضي السورية عبر معبر "التنف - الوليد" الذي أعيد فتحه بعد 11 عامًا من الإغلاق

 تألفت القافلة الأولى من قرابة الـ 300 شاحنة، دخل منها 176 عبر المعبر في البداية، وتوجهت إلى مصفاة بانياس على الساحل السوري، حيث يتم تخزين الوقود تمهيدًا لتصديره إلى الأسواق العالمية .

وأعلنت شركة النفط السورية أن التدفق الشهري المتوقع يبلغ حوالي 500 ألف طن متري من زيت الوقود شهريًا .

ويمكن وصف الوضع حاليًا بأنه "فترة تجريبية"، وإذا نجحت، سيتم الانتقال إلى توقيع عقود طويلة الأجل .

تعطل مضيق هرمز كحافز رئيسي

السبب المباشر والمعلن لهذا التحول هو الأزمة في مضيق هرمز، الذي يشهد اضطرابات حادة بسبب الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران .

فعلى الرغم من عدم الإعلان الرسمي عن الإغلاق، إلا أن السلطات الإيرانية فرضت قيودًا مشددة على الملاحة، مما أدى إلى انخفاض حركة الناقلات بأكثر من 90% في بعض الأيام .

ومن المعروف أن مضيق هرمز كان يعبره حوالي 15-20 مليون برميل من النفط يوميًا، أي ما يعادل حوالي 20% من التجارة النفطية العالمية، وهذه الكميات أصبحت معرضة للخطر الشديد .

وهو ما دفع الدول المنتجة والمصدرة للنفط، وخاصة العراق الذي يعتمد على عائدات النفط بنسبة 90% من ميزانيته، إلى البحث عن ممرات بديلة بأقصى سرعة، حتى لو كانت أقل كفاءة من الناحية اللوجستية .

العراق: حل مؤقت وضرورة استراتيجية

يمثل استخدام الطريق السوري للعراق حلًا اضطراريًا أكثر منه استراتيجيًا دائمًا .

حيث يصف مسؤولون عراقيون هذه الخطوة بأنها "نهج عملي قائم على الضرورة" و"استراتيجية لإدارة الأزمات على المدى القصير" للحفاظ على تدفق الإيرادات في ظل توقف التصدير عبر الخليج .

ورغم أن النقل بواسطة الشاحنات عبر سوريا أقل كفاءة وأعلى تكلفة من التصدير عبر خطوط الأنابيب أو الناقلات البحرية، إلى أنه يبقى الحل الأوحد في تلك المرحلة.

ورغم ذلك، ينظر إليه كخطوة أولى نحو تنويع البنية التحتية للتصدير، وقد يكون "مقدمة لترتيبات أكثر تنظيمًا في المستقبل، بما في ذلك إمكانية إحياء البنية التحتية لخطوط الأنابيب التي تربط العراق بالبحر المتوسط" .

تجدر الإشارة إلى أن هذه الخطوة تتم رغم غياب "المواءمة السياسية القوية" بين بغداد ودمشق، مما يعكس حجم الضرورة الاقتصادية الملحة .

سوريا: تعزيز الموقع الجيوسياسي والعوائد الاقتصادية

تسعى الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى استغلال هذه الفرصة لتعزيز دورها الإقليمي .

وتقدم سوريا نفسها كـ"ممر بري آمن" للطاقة، حيث صرح الرئيس الشرع بأن بلاده يمكن أن تكون "طريقًا آمنًا وموثوقًا" لضمان وصول النفط الإقليمي إلى الأسواق الأوروبية بسرعة وأمان .

كما يصف مسؤولو النفط السوريون طريق "كركوك - بانياس" بأنه "حل استراتيجي" يربط مصادر الطاقة العراقية بالبحر المتوسط، ويدفعون لتحويل سوريا إلى "مركز إقليمي لتصدير النفط" .

تحصل سوريا من هذا الاتفاق على عوائد مالية مباشرة من خلال رسوم العبور ورسوم الموانئ في بانياس وطرطوس، مما يوفر لها مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية .

بينما يمثل عبور الشاحنات خطوة أولى، فإن الطريق نحو تحويل سوريا إلى ممر طاقة دائم يواجه تحديات كبيرة.

التحديات الرئيسية:

تأهيل البنية التحتية: تعرضت خطوط الأنابيب مثل T2 و T3 لأضرار بالغة أثناء الحرب، ويعمل حاليًا الخط T4 بكفاءة كعمود فقري للنقل، لكن إعادة تأهيل الشبكة بالكامل قد تستغرق سنوات . تشير التقديرات إلى أن استعادة الحقول إلى مستويات الإنتاج الطبيعية قد تستغرق من 3 إلى 4 سنوات .

التمويل: تحتاج المشاريع الطموحة لربط الخليج بالبحر المتوسط، مثل خط أنابيب الغاز القطري عبر السعودية والأردن وسوريا إلى تركيا، أو قطار الحرمين السريع، إلى استثمارات ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات . تأمين هذا التمويل يشكل تحديًا كبيرًا.

الأمن: تظل المناطق التي ستمر بها خطوط الأنابيب معرضة لخطر هجمات فلول تنظيم داعش أو غيرها من الجماعات المسلحة .

خطط طموحة للمستقبل:
على الرغم من هذه التحديات، هناك مشاريع كبرى مطروحة على الطاولة لتحويل سوريا إلى مركز طاقة ولوجستي، وتشمل:

  • تأهيل خط كركوك - بانياس: زيادة طاقته من 300 ألف برميل يوميًا إلى مليون برميل، باستثمارات تتراوح بين 1-2 مليار دولار .
  • خط أنابيب الغاز القطري - التركي: لنقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر سوريا وتركيا، بتكلفة تتراوح بين 10-15 مليار دولار .
  • ممرات برية متكاملة: خطط لربط الخليج بالبحر المتوسط عبر قطارات فائقة السرعة وممرات للأمن الغذائي .

 

خلاصة القول:يمثل عبور أول قافلة نفط عراقية عبر سوريا نقطة تحول فعلية، حيث يجسد تحولًا في الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة تحت ضغط الحرب. بالنسبة للعراق، هو شريان حياة طارئ للحفاظ على إيراداته.

 بالنسبة لسوريا، هو فرصة ذهبية لتعزيز موقعها الجيوسياسي وبدء تدفق عائدات اقتصادية، وتمهيد الطريق لتصبح لاعبًا رئيسيًا في أمن الطاقة الإقليمي. لكن تحويل هذه البداية الواعدة إلى ممر دائم ومستقر يتطلب تجاوز تحديات هائلة في التأهيل والتمويل والأمن.