تواجه الموازنة الفلسطينية واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ سنوات، في ظل تراجع الإيرادات، واستمرار اقتطاع إسرائيل من أموال المقاصة، وعدم قدرة الحكومة على دفع رواتب كاملة لموظفي القطاع العام بشكل منتظم.
وبحسب تقارير فلسطينية لم تعد الأزمة محصورة في الأرقام والموازنات، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية في الضفة الغربية، حيث تراجعت القدرة الشرائية، وتأثرت الأسواق المحلية، وتضررت قطاعات الصحة والتعليم والخدمات، وسط شكاوى من إهمال البنية التحتية ونقص التمويل.
ومع اتساع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، عاد ملف الدعم الدولي للسلطة إلى واجهة النقاشات بين أطراف عربية وغربية، في محاولة لمنع انهيار أكبر في المؤسسات والخدمات.
وتتحدث تقارير فلسطينية وعربية عن محادثات غير معلنة تشارك فيها الولايات المتحدة ودول عربية وأطراف أوروبية، لبحث إنشاء آلية رقابة اقتصادية على السلطة الفلسطينية، باعتبارها شرطًا محتملاً لإعادة فتح باب المساعدات.
وتطرح هذه الآلية، في حال إقرارها، أسئلة حساسة داخل الساحة الفلسطينية، بين من يراها مدخلًا ضروريًا للإصلاح واستعادة ثقة المانحين، ومن يخشى أن تتحول إلى شكل من الوصاية المالية والسياسية.
وتعتمد السلطة الفلسطينية بشكل كبير على أموال المقاصة، وهي الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عنها على السلع المستوردة إلى الأراضي الفلسطينية. ومع استمرار الاقتطاعات واحتجاز جزء كبير من هذه الأموال، تراجعت قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل القطاعات الحيوية.
وخلال الأشهر الماضية، واجه موظفو القطاع العام تأخيرات متكررة في الرواتب، وصرف نسب محدودة منها في بعض الفترات، وهو ما انعكس مباشرة على الأسواق، وزاد من الديون الشخصية، وأضعف الحركة التجارية في مدن الضفة الغربية.
وتقول الحكومة الفلسطينية إن الأزمة المالية الحالية مرتبطة بشكل أساسي باحتجاز أموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، وتداعيات الحرب في غزة على الاقتصاد الفلسطيني، خصوصًا بعد توقف عشرات آلاف العمال عن العمل داخل إسرائيل.
لكن الانتقادات الداخلية لا تتوقف عند الأسباب الخارجية فقط، إذ يطالب فلسطينيون ونقابات ومراقبون بمزيد من الشفافية في إدارة المال العام، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، خصوصًا مع تدهور قطاعات مثل الصحة والتعليم.
وفي هذا السياق، تبرز ملفات عدة أهمها الانفاق الحكومي وميزانية السفارات في الخارج الى جانب مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين السلطة والمانحين، خاصة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.
وتعتبر واشنطن وتل أبيب أن مخصصات الاسرى تعد عقبة أمام استئناف بعض أشكال الدعم المالي، بينما ترى السلطة وقطاعات فلسطينية واسعة أنها التزام اجتماعي تجاه عائلات تضررت من الصراع وفقدت مصادر دخلها.
وفي فبراير/شباط 2025، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا يقضي بتغيير آلية هذه المدفوعات، ونقلها إلى مؤسسة التمكين الاقتصادي، على أن تصبح المساعدات مرتبطة بالحاجة الاجتماعية والاقتصادية، لا بصفة الأسير أو مدة السجن أو طبيعة الحالة.
وفي حين رحبت أطراف دولية بهذه الخطوة باعتبارها جزءًا من إصلاحات مالية وإدارية أوسع، بينما أثارت في المقابل انتقادات فلسطينية من عائلات أسرى وجرحى وجهات سياسية اعتبرت أن القرار جاء تحت ضغط خارجي.
ورغم هذا التعديل، لا يزال الملف حاضرًا في النقاشات الدولية حول مستقبل الدعم المالي للسلطة، إذ تطالب دول مانحة بضمانات واضحة حول طريقة صرف الأموال، والجهات المستفيدة منها، وآليات الرقابة على الإنفاق.
وتشير تقارير إلى أن بعض الدول العربية باتت تربط تقديم مساعدات جديدة بوجود آلية تضمن توجيه الأموال إلى الرواتب والخدمات الأساسية والبنية التحتية، بدل استمرار الإنفاق على بنود تثير جدلًا دوليًا وسياسيًا.
وبالنسبة إلى مؤيدي الرقابة الاقتصادية، فإن وجود آلية متابعة دولية قد يساعد في إعادة الثقة بين السلطة والمانحين، ويفتح الباب أمام تمويل عاجل يمنع مزيدًا من التدهور في الخدمات العامة.
ويرى هؤلاء أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لدفع رواتب الموظفين، وحماية القطاع الصحي، ودعم المدارس، وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصًا في ظل تراجع قدرة الحكومة على الاقتراض من البنوك المحلية.
وتحذر عائلات الاسرى من أن تتحول الرقابة المالية إلى أداة ضغط سياسي، خاصة إذا ارتبطت بملفات حساسة مثل الأسرى وعائلات الضحايا، أو إذا فُرضت من الخارج دون نقاش فلسطيني داخلي واضح.
ويقول هؤلاء إن الإصلاح المالي مطلوب، لكن يجب أن يكون جزءًا من مراجعة فلسطينية شاملة لطريقة إدارة المال العام، لا مجرد استجابة لشروط المانحين أو محاولة مؤقتة للحصول على مساعدات عاجلة.
وتجد السلطة الفلسطينية نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: فهي تحتاج إلى دعم خارجي سريع لتجنب مزيد من الانهيار في الرواتب والخدمات، لكنها في الوقت نفسه تواجه غضبًا داخليًا من أي شروط قد تُفهم على أنها مساس بالقرار المالي أو بالملفات الوطنية الحساسة.
وبين ضغط الأزمة المالية وشروط المانحين وحساسية ملفات الإنفاق، تبدو السلطة أمام اختبار جديد في قدرتها على إقناع الشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي بأنها قادرة على الإصلاح دون فقدان السيطرة على قرارها الداخلي.









