عاد ملف مخصصات الأسرى الفلسطينيين إلى واجهة الجدل الداخلي، بعد قرار صادر عن المحكمة الإدارية في رام الله بإلغاء وقف صرف راتب الأسير أحمد فراس حسن، في حكم اعتبرته الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان سابقة يمكن البناء عليها في ملفات مئات الأسرى الذين توقفت مخصصاتهم خلال الفترة الماضية.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام فلسطينية عن مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار الدويك، فإن الدعوى رُفعت بعد تعثر محاولات معالجة الملف عبر المراسلات واللقاءات مع الجهات الرسمية، مشيرا إلى أن القرار قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في ملفات أكثر من 1600 أسير أوقفت مخصصاتهم. لكنه توقع في المقابل صعوبات في تنفيذ الحكم، واحتمال لجوء الحكومة إلى استئنافه. 

ويأتي الحكم بعد أشهر من قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس إعادة تنظيم ملف المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى، وتحويله إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين"، ضمن برنامج تقول الرئاسة الفلسطينية إنه يهدف إلى توحيد برامج الحماية الاجتماعية وتعزيز الشفافية والاستدامة في الصرف. 

وأثار الملف نقاشا أوسع داخل الشارع الفلسطيني بشأن أولويات الإنفاق العام، في ظل أزمة مالية خانقة تواجهها السلطة الفلسطينية وتراجع قدرة المؤسسات العامة على تمويل قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية.

ويرى مؤيدو استمرار المخصصات أن المساس بها يضرب واحدة من أكثر القضايا حساسية في الوعي الفلسطيني، ويحوّل عائلات الأسرى والشهداء والجرحى إلى مجرد حالات اجتماعية.

أما منتقدو النظام السابق، فيخشون أن يؤدي استمرار الصرف بالآلية القديمة إلى تعميق العجز المالي للسلطة، وحرمان قطاعات حيوية من موارد تحتاجها بصورة عاجلة، خصوصا في ظل تراجع الإيرادات وتأخر الرواتب وتزايد الاحتياجات الاجتماعية في الضفة الغربية.

ولا ينفصل الجدل الداخلي عن الضغوط الخارجية. فقد ذكرت وكالة رويترز أن نظام مخصصات الأسرى كان منذ سنوات مصدر توتر بين السلطة الفلسطينية والولايات المتحدة، وأن قرار عباس بإعادة هيكلته جاء في وقت تواجه فيه السلطة ضغوطا مالية متزايدة نتيجة تراجع المساعدات، واقتطاعات إسرائيلية من أموال الضرائب، وتراجع دخول العمال الفلسطينيين منذ حرب غزة.

كما تقوم إسرائيل منذ عام 2019 باقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية تعادل ما تصرفه السلطة لعائلات الأسرى والشهداء، وهو ما فاقم الأزمة المالية للسلطة. 

وبحسب أرقام رسمية سابقة أوردتها تقارير فلسطينية، بلغ عدد حسابات الأسرى المحررين نحو 7500 حساب، فيما قدرت الكلفة الشهرية للمخصصات بنحو 50 مليون شيكل.

ويضع الحكم القضائي الأخير الحكومة الفلسطينية أمام اختبار قانوني وسياسي في آن واحد؛ فتنفيذه قد يفتح الباب أمام مطالبات أوسع من الأسرى الذين أوقفت مخصصاتهم، في حين أن استئنافه قد يزيد غضب العائلات المتضررة ويعمق الجدل حول حدود الإصلاحات المالية التي أعلنتها السلطة.