تشهد بيروت موجة متصاعدة من المؤتمرات والنقاشات العامة التي تعيد طرح ملف حصر السلاح بيد الدولة في صدارة الأولويات الوطنية، في وقت تتزايد فيه الأصوات السياسية والمدنية التي تعتبر استمرار السلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية عقبة رئيسية أمام الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي وعودة الدعم الدولي للبنان.
ولا تقتصر هذه المطالب على العناوين السياسية العامة، بل تمتد إلى دعوات أكثر وضوحاً لدور ميداني أشد حزماً للجيش اللبناني، من خلال توسيع انتشاره، ومنع أي عمليات إطلاق من الأراضي اللبنانية خارج قرار الدولة، بما يعكس رغبة متزايدة في رؤية نتائج ملموسة على الأرض لا الاكتفاء بالبيانات والمواقف.
ويقول ناشطون في المجتمع المدني إن "الجيش هو الحامي الشرعي الوحيد للدولة"، معتبرين أن الوقت حان لكي تُظهر المؤسسة العسكرية سيادة كاملة، وألا يُترك مصير البلاد بيد أي جماعة مسلحة تفرض قرار الحرب والسلم على اللبنانيين.
وعقد جهاز العلاقات الخارجية في حزب "القوات اللبنانية" مؤتمراً في الأشرفية ببيروت، يوم الأربعاء 22 أبريل/نيسان 2026، في إطار متابعة توصيات مؤتمر "معراب 3" الذي انعقد في 28 مارس/آذار الماضي تحت عنوان "إنقاذاً للبنان".
وأكد المشاركون أن جوهر الطرح لا يتمثل في استدعاء وصاية خارجية على لبنان، بل في مساندة الدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها الشرعية من بسط سيادتها الكاملة، وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بيدها، بما يضع حداً لتحويل البلاد إلى ساحة نزاعات إقليمية.
وطرح المؤتمرون خيار اللجوء إلى آليات دولية أكثر فاعلية عند الضرورة، بما في ذلك الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استناداً إلى القرارات الدولية 1559 و1680 و1701، معتبرين أن حماية لبنان تبدأ من رفض الحروب، ودعم مؤسسات الدولة، وتثبيت مبدأ الحياد، وفتح مسارات تفاوضية تمنع استمرار الانهيار الأمني والاقتصادي.
وفي مداخلته، ركّز العميد المتقاعد جوني خلف على أن جوهر الأزمة يتمثل في سلاح حزب الله، معتبراً أن الحزب لم يكن متعاوناً مع الدولة اللبنانية في هذا الملف، وأن الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة المخولة حماية البلاد وحدودها الجنوبية والشرقية.
ودعا خلف إلى الانتقال من العناوين السياسية العامة إلى آليات تنفيذية واضحة لتطبيق القرارات الدولية، بما يسمح للدولة باستعادة قرارها الأمني والعسكري، ومنع أي طرف من استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق عمليات عسكرية خارج سلطة الحكومة.
من جانبه، تناول النائب جورج عقيص البعد القانوني للمسألة، مشيراً إلى أن النقاش حول الفصل السابع والحماية الدولية والفوارق بين الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة لم يأخذ بعد مداه الكافي في مقاربة الحالة اللبنانية.
وذكّر عقيص بمحطات سابقة من الحضور الدولي في لبنان، من قوات المارينز عام 1958 إلى قوات الردع العربية وقوات اليونيفيل، معتبراً أن النقاش الحالي يجب أن ينطلق من كيفية دعم الدولة اللبنانية لا تجاوزها.
وعلى الصعيد الدولي، شارك في المؤتمر عضو الكونغرس الأميركي دارين لحود عبر الفيديو، إلى جانب النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي فرنسوا-كزافييه بيلامي، ومفوضة الاتحاد الأوروبي دوبرافكا سويكا.
وأكد لحود دعم بلاده للبنان، مشيداً بعمل الحكومة الحالية، ومعتبراً أن هناك فرصة مهمة لتعزيز السيادة اللبنانية، في ظل مسار تفاوضي وصفه بـ"التاريخي" بين لبنان وإسرائيل.
وشددت المداخلات الأوروبية على ضرورة دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية، ومواكبة لبنان إنسانياً ومالياً، وصولاً إلى إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار.
وقبل ذلك بأسابيع، كان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع قد أكد في مؤتمر معراب الوطني أن "لبنان ليس إيران"، محذراً من استمرار تدهور الأوضاع، ومشدداً على ضرورة تنفيذ القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح وبسط سلطة الدولة.
وأشار جعجع إلى أن مجلس الوزراء يستطيع، عند الضرورة، طلب مساندة دولية استناداً إلى القرار 1701 والفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، بهدف حماية لبنان ومنع بقائه ساحة مفتوحة أمام الصراعات الخارجية.
وأصدر مؤتمر معراب بياناً ختامياً دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ القرارات الدولية، والاستعانة بقوات دولية في حال عجز الدولة عن فرض سيادتها، إضافة إلى بحث مسارات قانونية لمطالبة إيران بتحمّل مسؤولياتها عن الأضرار التي لحقت بلبنان.
واعتبر البيان أن قرار حزب الله فتح جبهة "إسناد غزة" منذ أواخر عام 2023 شكّل نقطة تحول أساسية أدخلت لبنان في حرب لم تكن الدولة اللبنانية طرفاً في قرارها.
ويأتي هذا الزخم في ظل سعي حكومة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام إلى تكريس مبدأ "دولة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد"، عبر خطة "درع الوطن" المعتمدة في سبتمبر/أيلول 2025.
وكان الجيش اللبناني قد أعلن في 8 يناير/كانون الثاني 2026 إتمام المرحلة الأولى من خطة بسط سيطرة الدولة على كل أشكال السلاح غير الرسمي في الجنوب، أي المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني والحدود الإسرائيلية، مؤكداً أنه أرسى احتكار الدولة للسلاح بشكل "فعّال وملموس"، من دون أن يذكر حزب الله بالاسم.
غير أن المرحلة الثانية، التي تشمل المناطق الممتدة شمال نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي شمال مدينة صيدا، تواجه عقبات سياسية وأمنية جدية، بعدما أعلن حزب الله بوضوح أنه لن يقبل بأي عملية لنزع سلاحه شمال الليطاني.
وتطالب أصوات لبنانية متزايدة بألا يبقى دور الجيش محصوراً في الانتشار الرمزي أو مراقبة الخروقات بعد وقوعها، بل أن يتحول إلى حضور فعلي قادر على ضبط الأرض، ومنع تحرك أي مجموعات مسلحة خارج سلطة الدولة، ووقف أي عمليات إطلاق قد تجر البلاد إلى مواجهة جديدة.
ويرى محللون أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إعلان الخطط فقط، بل في قدرة الدولة على إظهار سيادتها عملياً، عبر انتشار أوسع للجيش، وحواجز أكثر فاعلية، وقرار واضح يمنع استخدام الأراضي اللبنانية كورقة في صراعات إقليمية.
ويربط المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، بين أي دعم واسع لإعادة الإعمار وبين تحقيق تقدم ملموس في مسار حصر السلاح بيد الدولة.
وتشير تقارير دبلوماسية إلى أن الصندوق المطروح لإعادة الإعمار، والذي تُقدّر قيمته بنحو 1.1 مليار دولار، لن يكون "شيكاً على بياض"، بل سيرتبط بمدى تقدم خطة "درع الوطن" في مراحلها المختلفة.









