بعد مرور أكثر من 7 أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين اسرائيل وحركة حماس، يعيش سكان قطاع غزة حالة من الترقب في وقت تُناقَش فيه في القاهرة تفاصيل مقترح دولي جديد يفتح الباب أمام إعادة إعمار البنية التحتية للقطاع.
وتطرح الخلافات داخل قيادة حركة حماس في علاقة بمقترحات مجلس السلام الدولي مخاوف حقيقية من إفشال هذا المسار وإعادة القطاع إلى جولة قتال جديدة وأشد عنفاً.
ويُقدّم المقترح، الذي يديره المندوب السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف بمشاركة وسطاء من مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، إطاراً عملياً لاستئناف إعادة الإعمار، حيث ستُكلَّف اللجنة الوطنية لإدارة غزة باستعادة الخدمات الأساسية للسكان من مياه ورعاية صحية وكهرباء وتعليم، في ظل كارثة إنسانية وبنيوية واسعة النطاق.
وتشير تقديرات دولية إلى أن أضرار البنية التحتية في القطاع تتراوح بين 18.5 و70 مليار دولار، وتشمل عشرات آلاف المنازل المدمّرة، وانهياراً شبه كامل لمنظومة المياه، وتضرراً واسعاً في البنية المصرفية والخدمية، وهي أرقام تجعل من ملف إعادة الإعمار مشروعاً طويل الأمد لا يحتمل مزيداً من التأجيل.
وباشرت قطر والأمم المتحدة أعمالاً أولية تشمل رفع الأنقاض وتعبيد الطرق وحفر آبار المياه في مناطق مختلفة من القطاع، فيما أظهرت مقاطع فيديو بثّتها اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة إزالة الكتل الخرسانية والركام في شارع الوحدة، أحد الشوارع الرئيسية في مدينة غزة، وإعادة فتحه أمام حركة المرور بالتنسيق مع بلدية غزة وأجهزة الدفاع المدني المحلية.
غير أن هذه التطورات الميدانية تتزامن مع توترات داخلية حادة في صفوف حماس، إذ تستعد الحركة لإجراء انتخابات داخلية تُعدّ الأولى منذ مقتل رئيس مكتبها السياسي يحيى السنوار، ومن المتوقع أن تُحدّد توجّهها السياسي في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستواصل خيار المواجهة مع إسرائيل، أم ستتجه إلى موقف أقل تصعيداً يهدف إلى كسب الوقت وإعادة بناء قدراتها داخل القطاع وخارجه.
ويبرز في هذه الانتخابات اسمان رئيسيان هما خليل الحية، نائب السنوار وكبير المفاوضين في القاهرة، وخالد مشعل، رئيس الجناح الخارجي للحركة، ويُمثّل الاسمان رؤيتين متباينتين إزاء موقع قطاع غزة في أجندة حماس الأوسع، وما إذا كان القطاع سيبقى محور أولويات الحركة في المرحلة المقبلة.
وتواجه حماس في هذه المرحلة قرارات بالغة الحساسية، بعد أن اقتصرت المرحلة الأولى من الهدنة على وقف الأعمال القتالية، إذ باتت الحركة أمام أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بحجم السلطة التي ستحتفظ بها، وما إذا كانت ستتخلى عن سلاحها، ومدى استعدادها للالتزام بهدنة طويلة الأمد مع إسرائيل.
وقد ظهرت بالفعل إشارات على تباين المواقف داخل الحركة؛ فبينما أكدت حماس قبولها بركائز الهدنة الأساسية، بما في ذلك التخلي عن إدارة غزة لصالح لجنة فلسطينية إدارية مقابل الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، صدرت تصريحات عن القيادي محمد نزال بدا فيها رفض واضح لنزع السلاح، مع طرح سقف زمني لهدنة لا تتجاوز خمس سنوات، في رسائل متضاربة قد تُربك جهود الوسطاء.
وفي غزة، يُعبّر السكان عن قلق عميق من فشل المقترح، ويقول كثيرون منهم إن انهيار المسار التفاوضي يعني العودة إلى دائرة قتال أكثر دموية، في وقت لم تعد فيه العائلات تملك منازل آمنة ولا مصادر رزق مستقرة ولا خدمات أساسية يمكن الاعتماد عليها، ويُلخّص سكان في المدينة مخاوفهم بعبارة باتت تتردد في الأحياء ومراكز النزوح: "إذا فشل هذا المقترح، فليس لدينا ما نعود إليه".
ولا تخلو هذه المخاوف من مبررات على الأرض، فإسرائيل لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة، وتُنفّذ عمليات قصف واغتيال، وتفرض قيوداً على المساعدات وعلى حركة الأشخاص، فيما يُحذّر محللون من أن السيناريو الأكثر ترجيحاً قد يكون جموداً تفاوضياً طويل الأمد، مع محاولات لإطلاق مسار تدريجي بدلاً من تحقيق اختراق سريع.
وتُصرّ إسرائيل من جهتها على ربط أي عملية إعمار شاملة بنزع سلاح حماس، ووفقاً لمسؤول أمني إسرائيلي، فإن تل أبيب لا يُتوقع أن تسحب قواتها من القطاع أو توافق على جهود واسعة لإعادة البناء طالما لم تُلقِ حماس سلاحها، كما لوّحت بإمكانية اعتماد ما يُعرف بـ"نموذج حزب الله"، أي تنفيذ ضربات متكررة ضد بنى تحتية وعناصر يُشتبه في أنها تعمل على إعادة ترميم قدرات الحركة.
ويبقى الموقف الرسمي لحماس من المقترح في انتظار الحسم، فيما تتواصل الاتصالات في القاهرة بين الفصائل والوسطاء وممثلي مجلس السلام في محاولة لتجاوز نقاط الخلاف، وينتظر المجتمع الدولي، كما ينتظر سكان غزة، رداً واضحاً يُحدّد مصير هذه الجولة من المفاوضات، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة الخدمات الأساسية، أم تنضمّ إلى قائمة طويلة من المقترحات التي عجزت عن التحول إلى واقع.
وفي ظل هذا الترقب، يبدو مستقبل قطاع غزة معلّقاً على احتمالات مفتوحة بين فرصة إعادة الإعمار وخطر العودة إلى حرب أكثر قسوة بعد سنوات من المعاناة.








