يعيش لبنان على وقع أزمة سياسية طاحنة، في ظل تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله، وانقسام الشارع اللبناني حول طريقة تعامل الحكومة مع الحرب.
ومع ارتفاع كلفة الحرب، أصبحت التصريحات الرسمية أكثر حدة، إذ اعتبر رئيس الوزراء نواف سلام أن مسار حصر السلاح بيد الدولة، الذي نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني منذ عام 1989، تأخر لسنوات طويلة، وأن البلاد تدفع اليوم كلفة هذا التأجيل مع اتساع الحرب والنزوح وتآكل قدرة الدولة على الإمساك الحصري بقرار الحرب والسلم.
وينص اتفاق الطائف على إعلان حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم أسلحتها إلى الدولة خلال ستة أشهر من استكمال ترتيبات ما بعد الاتفاق.
لكن هذا البند بقي معلقا لعقود، فيما احتفظ حزب الله بسلاحه بعد نهاية الحرب الأهلية، قبل أن يعود ملف "احتكار الدولة للسلاح" إلى الواجهة بقوة خلال العامين الأخيرين، تحت ضغط الحرب مع إسرائيل والضغوط الدولية المتزايدة على بيروت.
وفي الأشهر الماضية، حاولت القيادة اللبنانية الدفع تدريجيا في مسار حصرية السلاح عبر سلسلة من القرارات، إلا أن الأوضاع الميدانية لم تشهد تغيرا كبيرا.
وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 2026، أعلن الجيش اللبناني أنه حقق أهداف المرحلة الأولى من خطة بسط سيطرة الدولة على السلاح جنوب نهر الليطاني، على أن تنتقل الحكومة بعد ذلك إلى المرحلة الثانية شمال الليطاني.
وفي 11 فبراير/شباط، قال وزير الإعلام بول مرقص إن مجلس الوزراء يستعد لاتخاذ قرار بشأن المرحلة التالية من الخطة، بما يشمل مناطق أخرى من البلاد، استنادا إلى عرض من قيادة الجيش حول الاحتياجات والقدرات.
ومع اشتعال الحرب، أعلن سلام حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، وطالب بتسليم سلاحه والالتزام بالعمل السياسي، بعدما أطلق الحزب صواريخ وطائرات مسيرة من الأراضي اللبنانية، وهو ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى توسيع هجومه.
وقال سلام حينها إن قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، وطلب من الجيش تنفيذ الشق المتعلق بحصر السلاح شمال الليطاني، في إشارة إلى أن الحكومة كانت تستعد أصلا للانتقال إلى هذه المرحلة قبل أن تنقلب الأولويات مع عودة التصعيد.
وفي مقابلة مع "العربية/الحدث" في 22 مارس/آذار، قال سلام إن لبنان "متأخر سنوات طويلة عن مسار حصر السلاح"، وإن "كل صاروخ من صواريخ حزب الله الستة كان ثمنه نزوح نحو عشرة آلاف لبناني".
كما اعتبر أن صواريخ الحزب هددت مصداقية الحكومة، مؤكدا أن بيروت لن تتراجع عن قرارها بحصر السلاح بيد الدولة، وأن ما يسمى "حرب الإسناد" جعل هذا الملف أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
ورغم هذا التصعيد في الخطاب تجاه حزب الله، يواصل سلام التمسك بأن لبنان يريد، في الوقت نفسه، استعادة سيادته كاملة، وانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه، ووقف الحرب.
وفي تصريحات سابقة، شدد على أن الدولة ماضية في استعادة قرار الحرب والسلم، بينما أبدت الرئاسة اللبنانية استعدادها لمفاوضات مباشرة بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء المواجهة، في وقت قالت فيه مصادر لرويترز إن بيروت فقدت جزءا كبيرا من صدقيتها التفاوضية بسبب عجزها عن منع هجوم 2 مارس/آذار.
وتأتي هذه التصريحات فيما يدخل لبنان شهرا جديدا من الحرب، بعد أن أدى هجوم حزب الله في 2 مارس/آذار إلى حملة إسرائيلية واسعة أسفرت، بحسب رويترز، عن نزوح نحو مليون شخص ومقتل أكثر من 1300 شخص في لبنان، مع اتساع أوامر الإخلاء لتشمل نحو 15% من مساحة البلاد.







