للعام الثالث على التوالي، يفقد رمضان في القدس وقعه المعتاد، إذ تخيّم حالة الطوارئ على المدينة في ظل التصعيد الإقليمي المتواصل.

ولم تعد القيود هذا العام مرتبطة فقط بالحواجز وتصاريح الدخول، بل أضيف إليها بُعد جديد تمثل في الصواريخ الباليستية الإيرانية التي سقطت في أطراف المدينة ومحيطها، إلى جانب شظايا الاعتراض التي طالت شوارع وسيارات ومنازل، في مشهد حوّل القدس إلى مدينة تعيش تحت وطأة الحرب المباشرة أيضًا.

ومنذ بدء الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط/فبراير، وما أعقبها من ردود إيرانية على شكل موجات صاروخية متتالية، تحولت صافرات الإنذار إلى إيقاع يومي في القدس ومحيطها.

ونقلت وكالة رويترز صورًا لمحاولات اعتراض في أجواء المدينة، إلى جانب مشاهد لفرق إنقاذ إسرائيلية تعمل في موقع سقوط صاروخ على طريق رئيسي، حيث خلّف الارتطام حفرة واسعة في الإسفلت وأضرارًا جسيمة في سيارات كانت متوقفة في المكان.

وأفاد جهاز الإسعاف الإسرائيلي "نجمة داود الحمراء" بإصابة ثلاثة أشخاص على الأقل في تلك الضربة، بينهم رجل يبلغ من العمر 46 عامًا أُصيب بشظايا ووصفت حالته بالمتوسطة، فيما تلقى آخرون العلاج من إصابات طفيفة ومن حالات هلع.

وفي وقت سابق، قُتل تسعة أشخاص وأُصيب أكثر من أربعين آخرين إثر ضربة إيرانية مباشرة استهدفت منطقة سكنية في بيت شمش القريبة من القدس، في واحدة من أعنف الضربات الصاروخية التي شهدتها إسرائيل منذ بداية هذه الجولة. كما نقلت مواقع عبرية تقارير عن سقوط شظايا صواريخ وذخائر عنقودية في مناطق من وسط إسرائيل، بما في ذلك أحياء مأهولة في القدس ومحيطها، بما يعكس حدود قدرة منظومات الدفاع الجوي على اعتراض جميع المقذوفات.

وفرضت الحكومة الإسرائيلية قيودًا واسعة في القدس شملت حظر التجمعات وتعليق الأنشطة التعليمية والعمل في القطاعات غير الأساسية، مع دعوات متكررة من الشرطة والجيش إلى تجنب التنقل غير الضروري والبقاء قرب الملاجئ.

كما أغلقت الشرطة الإسرائيلية بوابات البلدة القديمة أمام غير السكان في الأيام الأولى من التصعيد، وهو ما انعكس مباشرة على أجواء المدينة وحركتها.

وبالنسبة إلى المقدسيين، لا تتعلق الأزمة فقط بخطر الصواريخ، بل أيضًا بحالة القلق التي ترافقت مع إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين لعدة أيام متواصلة بذريعة حالة الطوارئ، بعدما أخرجت القوات الإسرائيلية المصلين من باحاته ومنعت أداء صلاتي العشاء والتراويح فيه.

ويجد المقدسيون أنفسهم محاصرين بين خطرين: صواريخ لا تتوافر ملاجئ كافية للحماية منها، وقيود تحرمهم من ممارسة أحد أبرز مظاهر العبادة في شهر رمضان داخل المسجد الأقصى.

ويقول مقدسيون إن الضغط النفسي بات لا يُحتمل، مع تكرار الإنذارات ليلًا ونهارًا خلال شهر يُفترض أن يكون شهر سكينة وعبادة.

وبينما تدعو السلطات الإسرائيلية في القدس إلى الالتزام بالتعليمات، فإن كثيرًا من الفلسطينيين في المدينة لا يملكون ملاجئ مجهزة في منازلهم، ما يجعلهم أكثر عرضة للخطر مع كل موجة صاروخية.

ويبقى أملهم، كما يقولون، أن تنتهي هذه الجولة سريعًا، وأن يعودوا إلى الصلاة بأمان في رحاب المسجد الأقصى، وأن يستكملوا ما تبقى من رمضان بالحد الأدنى من الطمأنينة التي حُرموا منها.