بعد نحو خمسة أشهرٍ، انطلقت، الاثنين، جولةٌ جديدةٌ من المفاوضات بين إيران ومجموعة "4+1" حول الاتفاق النوويّ الإيرانيّ المبرم منذ 2015، في أحد نزل العاصمة النمساويّة فيينا، وذلك بمشاركة كلٍّ من بريطانيا والصين وألمانيا وروسيا وفرنسا. لكن الولايات المتحدة الأمريكية تشارك في المحادثات بشكلٍ غير مباشرٍ.

ولئن أعرب الدبلوماسيون المشاركون في المحادثات عن تفاؤلهم بالخروج بنتائج إيجابيةٍ مع إيران، فإنّ الولايات المتحدة الأمريكية عبّرت عن تشاؤمها، وربما يدخل ذلك في إطار الضغط المتزايد على إيران للرضوخ إلى قرارات المجموعة الدولية.

الأمريكيون: لن نقف مكتوفي الأيدي

بدا المبعوث الأمريكي إلى طهران، روبرت مالي، غير متفائلٍ بنتائج المحادثات، عندما اعتبر أنّ موقف طهران "لا يبشّر بالخير بالنسبة إلى المفوضات".

وأضاف مالي لإذاعةٍ محليةٍ أمريكيةٍ: "إذا كانوا ماضين في تسريع وتيرة برنامجهم النووي، فلن نقف مكتوفي الأيدي".

وعبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، نفتالي بينيت، عن قلقه بشأن نتائج إحياء المحادثات النووية مع إيران، وقال، إنّ: "إسرائيل قلقةٌ للغاية بشأن الاستعداد لرفع العقوبات، والسّماح بتدفّق المليارات إلى إيران مقابل قيودٍ غير كافيةٍ على البرنامج النووي". مشيرًا إلى أنها رسالةٌ إلى الأمريكيين، والدول الأخرى التي تفاوض إيران.

 وقال وزيرا خارجية بريطانيا وإسرائيل، ليز تراس، ويائير لابيد، في مقالٍ نشرته "ديلي تلغراف" البريطانية: "سنعمل ليلًا نهارًا لمنع النظام الإيران من التحول إلى قوةٍ نوويةٍ"، بحسب "فرانس برس".

وكانت حكومة نتنياهو، انتقدت بشدّةٍ الاتفاق النووي المبرم في 2015، كما دفعت الرئيس الأمريكي السابق، ترامب، إلى إلغائه، وهو ما تمّ فعلًا.

الوضع النووي الإيراني يزداد خطورةً

أكدت الخبيرة في جمعية "آرمز كونترول أسوسييشن" للحدّ من الأسلحة "كيلسي دافنبورت"، الأسبوع الماضي، أنّ "الوضع حول التقدم النووي الإيراني يزاد خطورةً"، مضيفةً "لئن كانت إدارة ترامب السبب وراء هذه الأزمة، فإنّ إيران تتصرّف كما لو أنّ واشنطن ستستسلم أوّلًا:، معتبرةً أنّ "هذا الضغط سيفٌ ذو حدّين، فهو قد يقضي على أيّ أملٍ في إحياء اتفاق 2015".

وتمّ التأكيد على أنّ الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تشعر بقلقٍ كبيرٍ، خاصةً، وأنّها لم تتمكّن من دخول موقع منشأة كرج لتصنيع أجهزة الطرد المركزي، غرب طهران، بعد أن تضرّرت الكاميرات نتيجة العمل التخريبي الذي تعرّض له الموقع في يونيو الماضي، واتّهمت إسرائيل بالوقوف وراءه.  

وبعد زيارةٍ إلى طهران، لإيجاد حلولٍ وتمكين الوكالة من القيام بعملها كاملًا في إيران، كشف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافايل غروسي، أنه "لم يحرز أيّ تقدّمٍ" في مباحثاته مع الجانب الإيراني.

وأشار غروسي إلى أنّ المفتّشين الدوليين رصدوا 4 مواقع مخصصةً للأنشطة النووية الإيرانية، بينما لم تكشف عنها إيران للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

واعتبر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، الموقف الإيراني من المفاوضات "مؤشرًا سيّئًا"، مشيرًا إلى أنّ إيران "تفوّت فرصة التعاون".

الإيرانيون متفائلون

اعتبر الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي أنّ إيفاد إيران لوفدٍ كاملٍ إلى فيينا دليلٌ على أنّها جادّةٌ في مفاوضاتها بهدف الوصول إلى إلغاء الحظر المفروض عليها. 

وأكد رئيسي في مكالمةٍ هاتفيةٍ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون "التزام إيران بتعهّداتها"، لكنه تساءل: "لماذا نكث الآخرون العهد"، مشدّدًا على أنّ "الظروف الحالية هي نتيجةٌ لعدم تنفيذ أميركا وأوروبا لالتزاماتها في الاتفاق النووي".

وقال لوكالة الأنباء الإيرانية: "لو رفعت أميركا الحظر، ونفذت أوروبا تعهداتها، فلا يوجد حينها أيّ قلقٍ بشأن تنفيذ الالتزامات من جانب إيران، لأننا أثبتنا مرارًا، وبشكلٍ عمليٍّ التزامنا بتعهداتنا".

وأدان الرئيس الفرنسي ماكرون الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وقال: "نعتبر الاتفاق النووي مسؤوليةً مشتركةً، ولذلك فقد بذلتُ جهودً دومًا لإعادة جميع الأطراف إلى إطار الاتفاق النووي".

من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني، أمير عبد اللهيان، في مقالٍ نشرته وكالة الأنباء الإيرانية، أنّ "جشع الولايات المتحدة كان السبب في فشل المفاوضات في الجولات الستّ السابقة في فيينا"، مضيفًا أنّ إيران "تريد استيفاء حقّها وإلغاء جميع أنواع الحظر المفروض عليها". 

وفي نبرةٍ تفاؤليةٍ، قال عبد اللهيان: "رغم كلّ حالات نكث العهد التي أبداها الغرب في الاتفاق النووي، إيران مستعدةٌ، مرةً أخرى، ولإظهار نواياها الحسنة، وبغية تحقيق الهدف النهائي المتمثل في إلغاء العقوبات الأحادية وغير القانونية، لإجراء مفاوضاتٍ موجّهةٍ نحو تحقيق نتائج فعليةٍ، والتوصل إلى "اتفاق جيّدٍ" مع مجموعة "4+1"، مشيرًا إلى أنّ "إيران تتمتع بـ"حسن النية"، والعزيمة الحقيقية في هذا الطريق، ولديها الإرادة المطلوبة للتوصل إلى اتفاقٍ جيّدٍ في فيينا".

وفي نهاية اليوم الأول من المحادثات، قال كبير المفاوضيين الإيرانيين، علي باقري: "بعض الأعضاء، بما في ذلك روسيا والصين ، دعّموا موقف إيران ، وصرح الأوروبيون أنّ البيت الأبيض، هو الذي تسبّب في المشاكل بانسحابه من الاتفاق النووي".

وأضاف باقري: "النقطة التي أكدنا عليها حول الآفاق المستقبلية للمفاوضات هي أنه ينبغي الاهتمام بالمؤشرات والمعايير التي تأخذها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنظر، للوصول إلى اتّفاقٍ مثمرٍ ومستديمٍ، حيث أنّ الكثير من المعايير والمؤشرات التي أوضحناها في هذا الاجتماع بصورةٍ إجماليةٍ، قد حظيت بترحيب الأطراف الأخرى"، مشيرًا إلى أنه "على أميركا منح الضمان بإلغاء إجراءات الحظر الجديدة، التي فرضت سابقًا، وألّا تعود إلى فرضها مرةً أخرى"، إلى جانب "التأكيد على عدم الخروج من جديدٍ من الاتفاق النووي".

وأكد باقري في تصريحه: "نحن متفائلون، ولكننا لسنا سُذّجًا"، مصرًّا على تقديم ضماناتٍ من الولايات المتحدة، والدول الغربية لإيران "بعدم فرض عقوباتٍ جديدةٍ عليها مستقبلًا".

وأضاف أنّ التركيز في الجولة الأولى سيكون على رفع الحظر المفروض على إيران، وفق رويترز.

الأوروبيون متفائلون

قال مسؤول الاتحاد الأوروبي، ومنسّق المحادثات، إنريكي مورا، إنه "يشعر بالتفاؤل بعد المباحثات الأولى في فيينا مع المفاوضين الإيرانيين الجدد"، مضيفًا أنهم "أظهروا رغبةً في المشاركة بجدّيّةٍ". 

وأشار في تصريح للصحفيين، أنّ إيران "متمسّكةٌ بمطلبها الخاص برفع كل العقوبات"، معربا عن إحساسه بالأهمية، ورغم ذلل يؤكد أنه "ليس هناك جدولٌ زمنيٌّ محدّدٌ للعملية"، بحسب رويترز.

من جانبه، اعتبر مبعوث روسيا إلى محادثات فيينا، أنّ الاجتماع "بدأ بالنّجاح إلى حدٍّ بعيدٍ". وفي تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، أضاف ميخائيل أوليانوف: "اجتماع اللجنة المشتركة بخصوص خطة العمل المشتركة الشاملة (الاتفاق النووي) انتهى. وقد اتفق المشاركون على خطواتٍ عاجلةٍ أخرى خلال الجولة السابعة من المفاوضات التي بدأت بنجاحٍ إلى حدٍّ بعيدٍ".

المطالب الإيرانية

تحدثت مصادرٌ لفرانس برس، أنّ إيران تدخل المفاوضات بثلاثة مطالب أساسيةٍ، تتمثل في رفع جميع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية، ووضع آليةٍ واضحةٍ، ومحدّدةٍ للتحقق من رفع العقوبات عمليًا، إلى جانب ضرورة تقديم الولايات المتحدة "ضماناتٍ كافيةٍ وجادّةٍ"، لعدم الخروج مجدّدًا من الاتفاق المحتمل في فيينا.

وأكدت ذات المصادر، أنّ إيران "سترفض تجزئة العقوبات، والمقترحات التي كانت قد تلقّتها حول آلية التحقق من رفع العقوبات"، مشدّدةً على أنّ "الولايات المتحدة أكدت موافقتها على إعطاء مهلة يومين للتحقق من رفع العقوبات".

وأكدت المصادر أنّ "هذه المدة الزمنية غير كافية بتاتًا للتحقق من رفع العقوبات"، مشيرين إلى أنّ "إيران ستطالب بفترة من 3 إلى 6 أشهرٍ للتأكد من عودة علاقاتها الاقتصادية، والتجارية مع العالم، إلى حالتها الطبيعية".

وترفض طهران رفضًا قاطعًا التفاوض مباشرةً مع واشنطن قبل رفع العقوبات الاقتصادية التي سلّطتها الإدارة الأمريكية السابقة في 2018، وقد تطرح إيران موضوع التعويض لها بسبب الخسائر التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية .