تواجه الحكومة الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات المالية في تاريخها، في ظل استمرار إسرائيل احتجاز عائدات "المقاصة" التي تشكل المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية ما انعكس بشكل كبير على قدرة المالية الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.
وأعلن وزير المالية والتخطيط الفلسطيني اسطفان سلامة أن الحكومة ستركز في المرحلة الحالية على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والأمن، في ظل أزمة مالية خانقة ما زالت تؤثر على قدرة السلطة الفلسطينية على دفع رواتب الموظفين وتمويل الخدمات العامة.
وقال سلامة إن وزارة المالية انتهت من تطوير تطبيق "يبوس" المالي، ورفعته على منصتي "أبل" و"غوغل"، تمهيدًا لإطلاقه رسميًا وتوفيره للموظفين الحكوميين قبل نهاية الشهر الجاري.
وأوضح الوزير أن التطبيق سيبدأ بمرحلة تجريبية تشمل عددًا من المؤسسات، قبل تعميمه على جميع موظفي القطاع العام، مشيرًا إلى أن وزارة المالية ستوفر مبلغ 500 شيكل داخل التطبيق لكل موظف، بما يتيح له إجراء عمليات الدفع الإلكتروني.
وبحسب سلامة، يهدف تطبيق "يبوس" إلى مساعدة الموظفين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وتمكينهم من توفير جزء من احتياجاتهم الأساسية، خصوصًا عبر تسديد فواتير المياه والكهرباء والاتصالات والإنترنت، بعد توقيع اتفاقيات مع شركات فلسطينية في هذه القطاعات.
غير أن هذه الخطوة أثارت نقاشًا واسعًا بين الموظفين، حيث يرى بعضهم أن مبلغ 500 شيكل عبر محفظة رقمية لا يشكل حلًا حقيقيًا لأزمة الرواتب، ولا يعوض أشهرًا طويلة من الاقتطاعات والتأخير في دفع المستحقات.
ويطالب الموظفين خاصة في قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة إلى التزام حكومي بدفع الرواتب بشكل منتظم، لا إلى آليات مؤقتة للدفع الإلكتروني، في وقت تعاني فيه العائلات من تراكم الديون والفواتير وتراجع القدرة الشرائية.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تعيشها السلطة الفلسطينية، نتيجة احتجاز إسرائيل جزءًا كبيرًا من أموال المقاصة، وتراجع الدعم الخارجي، وارتفاع حجم الالتزامات الحكومية تجاه الموظفين والموردين والقطاعات الأساسية.
وكان سلامة قد قال إن المؤسسات الحكومية تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، وإن قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم والأمن تحتاج إلى تمويل مستمر حتى تبقى قادرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات للمواطنين.
وفي موازاة ذلك، عاد الجدل حول طريقة توزيع الميزانية العامة إلى الواجهة، وسط انتقادات شعبية تتساءل عن أولويات الإنفاق الحكومي في ظل أزمة الرواتب وتراجع الخدمات الأساسية.
ويرى منتقدون أن الحكومة مطالبة بمراجعة بنود الإنفاق المختلفة، بما في ذلك الأموال المرصودة للسفارات والمكاتب الخارجية، ومخصصات بعض المناصب والقيادات، قبل تحميل الموظفين والمواطنين كلفة الأزمة المالية المتواصلة.
ويقول هؤلاء إن النقاش لم يعد مقتصرًا على آلية دفع الرواتب أو إطلاق تطبيق "يبوس"، بل أصبح مرتبطًا بسؤال أوسع حول العدالة في توزيع الموارد، خاصة عندما تعاني قطاعات مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة من نقص التمويل وتراكم الالتزامات.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا ملف مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا، بعد قرار السلطة نقل الملف إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين".
وجاءت هذه الخطوة في ظل ضغوط أمريكية وإسرائيلية متكررة على السلطة الفلسطينية لإنهاء النظام السابق للمخصصات، الذي كان يربط قيمة الدفع بصفة الأسير أو الجريح أو عائلة الضحية، واستبداله بآلية اجتماعية تقوم على معايير اقتصادية.
وقد أثار القرار جدلًا واسعًا بين من يطالب بإعادة ترتيب الأولويات المالية، ومن يعتبر هذه المخصصات حقًا وطنيًا واجتماعيًا لا يجوز التعامل معه كعبء مالي فقط.
ويطرح منتقدون تساؤلات حول كيفية الموازنة بين هذا الملف الحساس وبين الحاجة الملحة إلى دفع رواتب الموظفين، وتمويل المستشفيات، وضمان استمرار المدارس، في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تمس حياة غالبية المواطنين.
في المقابل، يقول المدافعون عن مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الضحايا إن هذا الملف لا يمكن فصله عن رمزيته الوطنية والاجتماعية، لأنه يتعلق بعائلات فقدت معيلها أو تعتمد على هذه المخصصات كمصدر دخل أساسي.
لكن استمرار الأزمة المالية يجعل النقاش أكثر حدة، إذ لم يعد الجدل محصورًا في البعد السياسي والرمزي، بل بات مرتبطًا بقدرة الحكومة على إدارة موارد محدودة بطريقة عادلة وشفافة، تحفظ كرامة الفئات المتضررة من جهة، وتضمن استمرار الخدمات الأساسية من جهة أخرى.
ويقول موظفون إنهم يتفهمون حجم الأزمة المالية، لكنهم يطالبون الحكومة بمزيد من الوضوح حول خطة الخروج منها، وآليات دفع الرواتب، ومعايير توزيع الدعم، بدل الاكتفاء بحلول جزئية لا تكفي لمعالجة الأزمة.
وتحاول الحكومة تقديم تطبيق "يبوس" باعتباره أداة مساعدة في مرحلة استثنائية، لا بديلًا عن الرواتب، في حين يرى معترضون أن نجاح أي إجراء جديد سيبقى محدودًا إذا لم يترافق مع انتظام الدفع واستعادة القدرة على تمويل القطاعات الحيوية.
وبين الحاجة إلى حلول فورية تخفف الضغط عن الموظفين، والحاجة إلى إصلاح أوسع في إدارة الموارد، تبدو السلطة الفلسطينية أمام اختبار صعب لضمان استمرارية العمل الحكومي.





