خاص – مصر
في خطوة تعكس تحولاً جوهرياً في سياسات التوطين
الصناعي، كشف معرض "صحة أفريقيا Africa Health ExCon" عن
إنجازين نوعيين يمثلان نقلة محورية في مسار التصنيع الطبي المصري، تمثلا في تدشين
أول سماعة طبية مصرية الصنع، وأول جهاز رسم قلب محلي التصميم والتصنيع، من إنتاج
شركة "بايو وادي" للأجهزة الطبية.
ويأتي هذا الإعلان في توقيت بالغ
الحساسية، إذ لم يعد توطين صناعة الأجهزة الطبية مجرد خيار صناعي، بل تحول إلى
ضرورة أمن قومي، بعدما كشفت الأزمات العالمية المتلاحقة – من جائحة كورونا إلى
اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات أسعار الصرف – هشاشة الأنظمة الصحية المعتمدة
كلياً على الاستيراد، لا سيما في مجالات التشخيص المبكر والرعاية الممتدة للمرضى.
قصة إنسانية تقود إلى ابتكار وطني
وكشف المهندس مصطفى الوكيل، رئيس مجلس
إدارة شركة بايو وادي، عن الدافع الشخصي الذي قاد الفريق إلى هذا الإنجاز، قائلاً:
"بدأت الفكرة من تجربة مريرة مررت بها، حين فقدت سمعي مؤقتاً لمدة ثلاثة أيام
إثر حادث.
تلك الأيام القليلة كانت كافية لأدرك عمق
المعاناة التي يعيشها ملايين البشر مع ضعف السمع، وكيف تحول هذه المشكلة – التي قد
تبدو بسيطة – إلى عائق يطال التواصل والعمل والتعلم، بل والحياة الطبيعية بأسرها."
وأضاف الوكيل في تصريحات خاصة على هامش
المعرض: "مع البحث المتعمق، اكتشفنا أن حجم المأساة أكبر بكثير من مجرد عدم
توافر جهاز، فهناك مرضى يقضون سنوات طويلة يعانون في صمت، لأن تكلفة السماعة أو
تعقيدات الصيانة أو ندرة قطع الغيار تجعل الحل بعيد المنال."
أرقام صادمة تكشف حجم الأزمة
واستشهد الوكيل بمعطيات محلية ودولية ترسم
ملامح الأزمة، حيث أظهرت دراسات محلية أن نحو 16% من المصريين يعانون من ضعف
السمع، مع ارتفاع النسبة إلى 49.3% بين من تجاوزوا الخامسة والستين.
في المقابل، تشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى أن فقدان السمع غير المعالج يكبد الاقتصاد العالمي خسائر سنوية تقدر بنحو 980 مليار دولار، فيما لا يحصل سوى 10% من ضعاف السمع حول العالم على سماعات طبية، وتنخفض هذه النسبة إلى 3% فقط في الدول النامية.
من المنتج مستورد.. إلى منظومة متكاملة
وشدد الوكيل على أن الاعتماد على الاستيراد في هذا المجال لا يحل المشكلة، قائلاً: "السماعة الطبية ليست سلعة استهلاكية تشترى لمرة واحدة، بل هي جهاز دقيق يحتاج إلى معايرة وفقاً لحالة كل مريض، ومتابعة دورية، وصيانة مستمرة، وقطع غيار متوفرة، وخدمة فنية احترافية.
وعندما يكون المنتج مستورداً بالكامل، تتعطل هذه المنظومة بأكملها مع كل تغير في سعر الصرف أو تأخر في الشحن أو نقص في قطع الغيار."
بعد ثلاث سنوات من التطوير.. انطلاقة
واعدة
واختتم الوكيل تصريحاته قائلاً: "بعد ثلاث سنوات من البحث والتطوير الدؤوب، تكللت جهودنا – بفضل الله – بتصميم وتصنيع أول سماعة طبية مصرية، ونحن نطمح من خلالها إلى الوصول لكل شخص يعاني ضعف السمع في مصر، بحيث لا تكون السماعة الطبية حكراً على القادرين، أو بعيدة عن المريض بسبب التكلفة أو تعقيدات الصيانة أو ندرة قطع الغيار."
ويُتوقع أن تسهم هذه الخطوة في إعادة رسم
خريطة الصناعات الطبية في مصر، وتعزيز قدرة النظام الصحي الوطني على مواجهة
الطوارئ، مع فتح آفاق واعدة للتصدير إلى الأسواق الإفريقية والعربية، بما يرسخ
موقع مصر كمركز إقليمي للصناعات الطبية الحيوية.
كما واصلت شركة "بايو وادي"
للأجهزة الطبية زخمها الابتكاري في معرض "صحة أفريقيا"، بكشف النقاب عن
أول جهاز رسم قلب مصري الصنع بالكامل، في خطوة تأتي تتويجاً لشراكة استراتيجية مع
جامعة جلاسكو البريطانية، استفادت من خلالها الشركة من خوارزميات جلاسكو المتطورة
لتحليل الإشارات الكهربائية للقلب، بما يرفع دقة القراءات ويسرع وتيرة التقارير
التشخيصية.
ويأتي الإطلاق في وقت تمثل فيه أمراض القلب والأوعية الدموية تحدياً صحياً واقتصادياً متصاعداً، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن هذه الأمراض تتسبب في نحو 46% من إجمالي الوفيات السنوية في مصر، مع تسجيل أكثر من ربع مليون حالة وفاة عام 2021 وحده، وفق بيانات دولية معتمدة.
الوقت هو عنصر فارق بين الحياة والموت
وفي حديثه عن الدوافع الطبية والعلمية وراء المشروع، شدد المهندس مصطفى الوكيل، رئيس مجلس إدارة الشركة، على بُعد الوقت كعامل حاسم في إنقاذ حياة مرضى القلب، قائلاً: "في حالات الجلطات والأزمات القلبية الحادة، الوقت ليس تفصيلاً، بل قد يكون الفارق بين الحياة والموت. الإرشادات الطبية الدولية توصي بإجراء ومراجعة رسم القلب خلال أول عشر دقائق من وصول مريض ألم الصدر الحاد، وتحقيق هذا التوقيت يخفض معدل الوفيات بنسبة تصل إلى 50%. لذلك كان هدفنا أن نصنع جهازاً مصرياً أكثر دقة وسرعة، يستفيد من خبرة جامعة جلاسكو العريقة وخوارزمياتها المتقدمة، لدعم الطبيب في الوصول إلى قرار أسرع وأكثر موثوقية."
تقنيات عالمية.. وتنوع يلبي الاحتياجات
وكشف الوكيل عن طرازين متكاملين يلبيان مستويات مختلفة من الخدمات الطبية، حيث يعمل الطراز Biobeat-i12 عبر 12 قناة متزامنة، ما يتيح تسجيل النشاط الكهربائي للقلب من زوايا متعددة، وهي التقنية المعتمدة عالمياً في تقييم الحالات القلبية المعقدة، ويتضمن الجهاز أنظمة ذكية لمعالجة الإشارة، إلى جانب تنبيه تلقائي عند حدوث خطأ في تركيب الأقطاب الكهربائية، للحد من الأخطاء البشرية وتحسين جودة المخرجات التشخيصية، خصوصاً في بيئات الطوارئ.
أما الطراز Biobeat-i3، فيعمل عبر 3 قنوات متزامنة، وصُمم لتلبية احتياجات العيادات والمراكز الطبية والمستشفيات التي تبحث عن جهاز عملي وسهل الاستخدام للفحص والمتابعة اليومية الروتينية.
التوطين.. حل جذري لأزمة الصيانة والتعطل
ولم يقتصر الحديث على الجوانب التقنية، بل توقف الوكيل عند البعد التشغيلي الذي يمنحه التصنيع المحلي ميزة تنافسية لا تتوفر في الأجهزة المستوردة، قائلاً: "أهمية التصنيع المحلي لا ترتبط فقط بإنتاج جهاز جديد، بل بقدرة المنظومة الصحية على ضمان تشغيل الأجهزة بشكل مستمر؛ فالأعطال أو تأخر الصيانة قد تؤثر مباشرة على جاهزية الخدمة داخل المستشفيات."
واستشهد بواقعة رصدها وزير الصحة عام 2022، حين تبيّن تعطل 8 أجهزة رسم قلب من أصل 16 في أحد مستشفيات محافظة أسيوط، لتكون تلك الواقعة شاهداً على الحاجة الملحة لمنظومة محلية قادرة على توفير الصيانة الفورية وقطع الغيار بسرعة، دون انتظار شحنات الاستيراد التي قد تطول.
انطلاق نهاية العام.. واستهداف القطاع
الحكومي والتأمين الصحي
وكشف الوكيل عن الجدول الزمني للتسويق، مؤكداً أن الأجهزة الجديدة صُممت لتناسب احتياجات منظومة الرعاية الصحية المصرية من حيث الكفاءة والتكلفة، مع توفير خدمات الدعم الفني والصيانة داخل مصر. ومن المقرر أن تتوافر الأجهزة في السوق المصري خلال الربع الأخير من العام الجاري، لتشمل المستشفيات الحكومية وهيئة التأمين الصحي، بطاقة إنتاجية تستهدف تغطية احتياجات القطاع الصحي المحلي.
من أجهزة التنفس إلى رسم القلب.. مسيرة
توطين راسخة وخطط تصديرية
وتعد شركة بايو وادي واحدة من أبرز الشركات الوطنية الرائدة في توطين صناعة الأجهزة الطبية، إذ سبق لها توطين أجهزة التنفس الصناعي في مصر، في تجربة اكتسبت أهمية استثنائية خلال جائحة كورونا، حين تصاعد الطلب العالمي على تلك الأجهزة، وواجهت دول عدة صعوبات في الحصول على مستلزماتها وسط أزمة الإمدادات العالمية.
وفي هذا السياق، قال الوكيل: "تجربة
كورونا أثبتت أن توطين صناعة الأجهزة الطبية لم يعد رفاهية، بل ضرورة لضمان جاهزية
المنظومة الصحية وقت الأزمات. عندما تكون لدينا القدرة على التصميم والتصنيع
والصيانة محلياً، فنحن لا ننتج جهازاً فقط، بل نبني قدرة وطنية على حماية المرضى
واستمرار تقديم الخدمة في أصعب الظروف."
وتخطط بايو وادي للتوسع في تصنيع أجهزة
طبية إضافية خلال المرحلة المقبلة، مع العمل على فتح أسواق تصديرية في عدد من
الدول العربية والإفريقية، اعتماداً على تصميمات هندسية تراعي المعايير العالمية،
في إطار رؤية تهدف إلى ترسيخ موقع مصر كمركز إقليمي محوري لصناعة وتطوير
التكنولوجيا الطبية في المنطقة.









