كتبت: آلاء محمدي
تصدر الجرتق السوداني الترند في الساعات الأخيرة الماضية،
وذلك بعدما تلألأت قاعة بألوان الأحمر والذهب، بينما تصاعد عبير بخور الصندل والعود
في المكان ببطء، لتكتمل لوحة احتفالية تستحضر ملامح الذاكرة السودانية القديمة، وفي
قلب المشهد، تجلس العروس السودانية مغطاة بغطاء "القرمصيص"، في صورة تبدو
وكأنها خرجت من عمق التاريخ النيلي بكل تفاصيله وروحه.
ما هو طقس الجرتق السوداني؟
يبدأ طقس الجرتق السوداني مع إيقاع الطبول التقليدية وارتفاع
أصوات الزغاريد، ذلك التقليد الذي تجاوز كونه مجرد مرحلة من مراسم الزواج، ليصبح رمزاً
ثقافياً بصرياً يحمل هوية سودانية عابرة للحدود، ويقدّم للعالم نافذة على عمق التراث
الاجتماعي والإنساني في السودان.
ويصنف الجرتق كأحد أبرز الموروثات الاحتفالية في السودان،
حيث يجمع بين عناصر عربية وأفريقية في مزيج ثقافي متداخل يعكس مفهوم "التنوع داخل
الوحدة"، ولا يقتصر هذا الطقس على الجانب الاحتفالي فقط، ولكن يرتبط أيضاً بمعتقدات
شعبية تقوم على جلب البركة ودفع الحسد عن العروسين، وفق ما توارثته الأجيال.
ويرى باحثون في التراث السوداني أن أصول هذا الطقس تعود إلى
حقب تاريخية قديمة ارتبطت بـ "الممالك السودانية" على ضفاف النيل، مع ترجيحات
بأن بداياته كانت في الشمال النيلي قبل أن ينتقل إلى مناطق أخرى، ويستند هذا الطرح
إلى غياب الطقس في عدد من المجتمعات المجاورة، باستثناء تشابهات محدودة في بعض الممارسات
لدى مجموعات أمازيغية.
الجرتق السوداني من طقوس مروي القديمة إلى ترند تيك توك
الجرتق السوداني لم ينحصر فقط داخل البيوت السودانية أو القرى التقليدية، ولكن انتقل إلى فضاء عالمي جديد عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت
ألوانه وطقوسه مادة جذابة تنتشر على نطاق واسع عبر تطبيقات مثل تيك توك وإنستجرام،
محققة مشاهدات كبيرة واهتماماً متزايداً.
وتشير دراسات في التراث الثقافي إلى أن هذا الطقس نتاج تفاعل حضاري طويل، شكل شخصية ثقافية قادرة على التعبير بصرياً عن هوية سودانية غنية ومركبة، وتؤكد قراءات بحثية أن انتشار الجرتق تجاوز حدود السودان، ليصل إلى محيطه الإقليمي في الشمال النيلي وبعض دول الجوار، ما يعكس امتداداً ثقافياً واسعاً لهذا الإرث.
وأدرجت منظمة اليونسكو الجرتق ضمن قوائم التراث الثقافي غير
المادي، تقديراً لخصوصيته الثقافية وأهميته الاجتماعية، ورغم التحولات الحديثة في أنماط
الحياة، ما زال هذا الطقس يحتفظ بحضوره، محافظاً على قدرته في جمع العائلات حول طقس
واحد يختصر تاريخاً طويلاً من الذاكرة والهوية.
ما هي طقوس الجرتق ومعانيه؟
يحمل الجرتق مجموعة من الطقوس المتتابعة التي تتداخل فيها
الرمزية الاجتماعية مع البعد الروحي، فاللون الأحمر المستخدم في الزينة، إلى جانب البخور
واللبن، يرتبط في الوعي الشعبي بفكرة الحماية من الطاقات السلبية وطرد "العين".
وتبدأ المراسم بوضع "الضريرة" على رأس العروسين
وسط أجواء من البخور، ثم يأتي طقس "بخ اللبن" الذي يشرب فيه العروسان اللبن
ويتبادلان رشه، في إشارة إلى النقاء والتآلف وبداية حياة مشتركة يسودها الود.
وتأتي بعد ذلك لحظة "قطع الرحط"، حيث يقوم العريس
بقطع قطعة القماش المربوطة عند خصر العروس، في مشهد احتفالي تتخلله الأغاني الشعبية
ورمي الثمار على الحضور، بما يعزز روح المشاركة الجماعية ويحول المناسبة إلى احتفال
اجتماعي واسع يتجاوز حدود العائلة.
وتتضمن الطقوس في بعض المناطق، توجهاً رمزياً نحو النيل،
في إشارة إلى ارتباط وجداني بالنهر بوصفه مصدر الحياة والخير والخصب في المخيال السوداني.









