بالتزامن مع انتهاء الحرب في قطاع غزة، لم يتجه النقاش الفلسطيني نحو مراجعة الكلفة الإنسانية والسياسية للحرب فحسب، بل سرعان ما عاد إلى قلب السؤال الأهم: من يملك الشرعية، وبأي أساس؟ وهو سؤال يزداد حضورًا في لحظة تتقاطع فيها أزمة النظام السياسي المنقسم بين الضفة الغربية وقطاع غزة مع تآكل ثقة الشارع بالقوى القائمة.

في هذا المناخ، أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في مطلع كانون الثاني/يناير، أن هذا العام سيكون “عام الديمقراطية الفلسطينية”، في إشارة إلى مسار يُفترض أن يشمل انتخابات محلية في الضفة الغربية، وعقد المؤتمر الثامن لحركة فتح، وصولًا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية عامة للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من التأجيل.

الإعلان بدا، في نظر كثيرين، محاولة لإعادة فتح ملف الشرعيات من بوابة مؤسساتية، في وقت يزداد فيه الشعور الشعبي بأن النظام السياسي الحالي في حاجة إلى تغيير حقيقي يتماشى مع طموحات الشعب الفلسطيني.

وبالتوازي مع الحديث عن الانتخابات في الضفة، فجّرت حركة حماس جدلًا واسعًا عقب نشرها وثيقتها السياسية الأخيرة «روايتنا.. طوفان الأقصى.. عامان من الصمود وإرادة التحرير». ولم تُقرأ الوثيقة على أنها مجرد سردية للحرب، بل كبيان سياسي لما بعدها، يعيد طرح سؤال التمثيل والشرعية في توقيت بالغ الحساسية.

واستندت الوثيقة إلى فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 بوصفه مصدر “شرعية انتخابية ودستورية”، معتبرة أن احتفاظها بالأغلبية البرلمانية يمنحها حقًا في تشكيل الحكومة في الضفة الغربية وقطاع غزة. طرحٌ أثار ردود فعل واسعة في الضفة، حيث اعتُبر محاولة لإعادة تثبيت شرعية قديمة خارج سياق الزمن السياسي الراهن.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة أن هذا الاستناد يطرح إشكالًا قانونيًا وسياسيًا جوهريًا، لا سيما أن الحركة نفسها كانت طرفًا أساسيًا في فصل غزة عن الضفة الغربية عبر انقلاب عسكري شكّل نقطة الانقسام الأولى في النظام السياسي الفلسطيني. وبرأيه، فإن استدعاء شرعية انتخابية تعود إلى ما يقارب عقدين، من دون الاحتكام إلى آليات تجديد ديمقراطي، يتناقض مع منطق الدستور نفسه الذي يفترض دورية التفويض الشعبي.

ورغم أن الوثيقة لم تذكر منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الوطنية الفلسطينية صراحة، فإن مضامينها فُهمت في الضفة على أنها تعميق لحالة الانقسام، ومحاولة لإعادة فتح صراع مؤجّل حول أحقية الحكم، في وقت كان الشارع الفلسطيني ينتظر مقاربات سياسية تُخفف من تداعيات الحرب، لا إعادة إنتاج معارك الشرعية.

وتزداد حساسية هذا الطرح في ظل التحولات الواضحة في المزاج العام الفلسطيني. فقد أظهرت استطلاعات رأي حديثة، من بينها استطلاع أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، تراجعًا لافتًا في مستويات الثقة بالقوى السياسية كافة، بما فيها حماس. وبحسب نتائج الاستطلاع، انخفضت نسبة الفلسطينيين الذين عبّروا عن تفاؤلهم بإمكانية تحقيق حماس لأي نتائج إيجابية بعد الحرب من 67% عام 2023 إلى 26% فقط، فيما رأى نحو 46% من المستطلعين أن الحرب انتهت من دون أن تصب في مصلحة أي طرف.

كما تشير المعطيات إلى أن التأييد الشعبي لحماس في الضفة الغربية سجّل أحد أكبر تراجعاته خلال السنوات الأربع الماضية، ليستقر عند مستويات أدنى مقارنة بمراحل سابقة. ويعزو مراقبون هذا التراجع إلى شعور متنامٍ بأن الخطاب السياسي، سواء لدى حماس أو غيرها، بات منفصلًا عن أولويات الناس اليومية، في ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة، وتآكل الأفق السياسي، واستمرار حالة الانسداد.

في هذا السياق، لا يبدو الحديث عن “عام الديمقراطية” مجرد استحقاق تقني، بل اختبارًا حقيقيًا لإمكانية إعادة تعريف الشرعية الفلسطينية على أسس حقيقية يكون للشعب فيها الكلمة الفصل. فإما أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مدخل لإعادة بناء الثقة وتجاوز الانقسام، أو أن تبقى مجرد عنوان إضافي في صراع سرديات، يتنافس فيه الفاعلون على شرعية الماضي، بينما يواصل الشارع البحث عن إجابات لحاضره ومستقبله.

وتقف الساحة السياسية الفلسطينية اليوم عند مفترق دقيق: بين خطاب يسعى إلى تثبيت شرعية قديمة، ومحاولة رسم مسار ديمقراطي جديد لم تتضح بعد شروط نجاحه. وفي المسافة بين الاثنين، تتسع الفجوة بين الفصائل والناس، في لحظة يبدو فيها أن استعادة السياسة تبدأ، قبل كل شيء، بالاعتراف بكلفة خيارات السنوات الماضية، وبحق الفلسطينيين في تفويض جديد يعكس واقعهم.