بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في قطاع غزة، استعادت حركة حماس، بحسب تقارير مختلفة، جزءًا من سيطرتها الأمنية في المناطق الخاضعة لها، في حين تضاعفت الصعوبات الاقتصادية والمعيشية اليومية التي يواجهها الغزيون.

ويتزايد الجدل في الشارع الغزي حول السياسات المالية التي تنتهجها حركة حماس في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تتصاعد الاتهامات للحركة بتوسيع منظومة جباية منظّمة، بهدف تأمين موارد مالية عاجلة لإعادة ترتيب منظومة الحكم.

وبحسب شهادات لسكان وتجار في القطاع، فإن الضرائب والرسوم التي فُرضت خلال الأشهر الأخيرة عمّقت حالة الإحباط، خصوصًا في ظل انهيار البنية التحتية، وشحّ السيولة، وارتفاع معدلات الفقر.

كما أشارت تقارير إخبارية إلى أن الضرائب لم تعد تقتصر على الأنشطة التجارية أو السلع، بل امتدت إلى خدمات يومية يُفترض أنها أساسية. ومن أبرز الأمثلة التي أثارت غضبًا واسعًا فرض رسوم على ضخ مياه الآبار لأغراض التنظيف، رغم غزارة الأمطار خلال فصل الشتاء وامتلاء الآبار بالمياه.

ويقول أحد سكان شمال القطاع في تصريح لـ«شبكة أخبار الشرق»: «ندفع ضرائب على مياه تنظيف من مورد طبيعي، فيما الشوارع مغمورة بالمياه. نحن نُستنزف لتمويل حركة لم تُصلح البنية التحتية قبل أن تفرض علينا مزيدًا من الأعباء». ويتساءل المواطن عن مصير الأموال التي تُجبى، ولماذا لا تُوجَّه لإعادة تأهيل شبكات المياه والطرق المدمّرة.

ويضيف أن مسؤولًا ميدانيًا محسوبًا على حركة حماس، يُلقّب بـ«أبو المأمون اليازجي»، رفع خلال ديسمبر الماضي رسوم تشغيل الآبار في منطقته من خمسة شواكل للفرد إلى ثلاثين شيكلًا، إلى جانب تقليص استخدام المياه إلى يوم واحد أسبوعيًا، وهو ما لا يلبي احتياجات العائلات، بحسب قوله.

اقتطاعات نقدية ورسوم على «الحياة المؤقتة»

ولا تتوقف الشكاوى عند هذا الحد، إذ تتحدث شهادات أخرى عن فرض اقتطاعات على عمليات سحب الأموال من أجهزة الصراف الآلي القليلة التي عادت للعمل جزئيًا، إضافة إلى جباية مبالغ من عائلات تقيم في خيام قرب الساحل ضمن ما يُعرف بالمناطق الإنسانية.

ويقول سكان إن الحاجة الشديدة للسيولة تدفعهم إلى القبول بهذه الاقتطاعات، في ظل استمرار تعطّل النظام المصرفي، وبقاء غالبية البنوك خارج الخدمة، وعدم ضخ كميات كافية من العملة النقدية إلى السوق.

مأزق التمويل بعد الحرب

ويرى محللون أن هذه السياسات تعكس مأزقًا ماليًا تواجهه الحركة في مرحلة ما بعد الحرب، بعد تعرّض شبكات تمويلها لضربات متتالية خلال القتال، سواء عبر استهداف عناصر نقل الأموال أو مداهمة شركات صرافة يُشتبه بارتباطها بالفصائل الفلسطينية.

وتفيد مصادر مطلعة بأن الحركة ما زالت تعتمد على مزيج من الموارد الذاتية، يشمل نشاطات تجارية وضرائب على بعض السلع التي تُباع نقدًا، مثل منتجات التدخين، إلى جانب ما يتوافر لديها من سيولة مخزّنة، في محاولة لضمان صرف رواتب ومخصصات لعناصرها وحاضنتها التنظيمية.

لكن مراقبين يحذّرون من أن نقل عبء التمويل إلى المجتمع المنهك اقتصاديًا قد يُحوّل الجباية والاقتطاعات إلى سياسة دائمة، ما يهدد بتعميق أزمة الثقة بين السكان والجهة الحاكمة، ويقوّض فرص التعافي الاقتصادي.

غضب شعبي ومصير مجهول

في المقابل، تتصاعد دعوات من داخل القطاع لإعطاء الأولوية لإعادة الإعمار وإصلاح البنية المدنية، بدل فرض رسوم جديدة على خدمات أساسية. ويقول سكان إن مرحلة ما بعد الحرب لم تجلب لهم سوى استمرار الضائقة، حيث تتآكل الرواتب بفعل العمولات، وتبقى الأسعار مرتفعة، فيما تتأخر عودة النظام المصرفي.

وبينما تتجه الأنظار إلى المسارات السياسية وخطط إعادة الإعمار المجمدة حتى الساعة، تبقى الأسئلة المعيشية ضاغطة: من يتحمّل كلفة مرحلة ما بعد الحرب؟ وأين تذهب الأموال التي تُجبى من مجتمع أنهكته أكثر من سنتين من الحرب المدمرة؟