الأمانة في الموروث الشعبي
الأمانة:
يروي القزويني في كتابه "آثار البلاد وأخبار العباد" بـأن التجار المسلمين الذين وصلت سفنهم إلى جزر بعيدة في المحيط الهندي، كانوا معروفين بأمانتهم ونزاهتهم. حيث كان سكان تلك الجزر يضعون بضائعهم على الشاطئ ويعودون إلى قراهم، فتبقى البضائع على حالها إلى غاية وصول التجار الذين يأخذون ما يحتاجون من تلك البضائع ويتركون ثمنه ذهباً ونقداً، ولا تمتد أيديهم إلى ما لا يمتلكون ثمنه أو ما يفيض عن حاجتهم، ثم يعود الأهالي فيأخذون المال وما زاد من البضاعة. هذا التعامل يُظهر مدى أمانة التجار العرب وثقة الأهالي بهم، وقد جذبت هذه الأمانة قلوب تلك الشعوب نحو العرب والمسلمين، فكانت أمانة التجار سبباً في انتشار الإسلام في أصقاع الأرض. وفي حديث النبي عليه السلام: «الأَمَانَةُ غِنىً» أي أن التاجر إِذا عُرف بالأمانة كثر المتعاملين معه في البيع والشراء.
معنى الأمانة:
الأمانة في اللغة: أصل الأَمْن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمانة مصدر أمِن، أمِن أمانة فهو أمين، وجمعها أمانات. ومن الكلمات التي ترادف الأمانة في اللغة: النزاهة والصدق والإخلاص، والثبات على العهد، والوفاء بالحقوق، كما يمكن أن يكون معناها في اللغة وديعة أو صراحة أو ثقة وهي تأتي أيضاً بمعنى تفان واستقامة، أمِن فلاناً على كذا: أي وثق به واطمأن له. والأمانة كذلك تشمل ما فُرِض على المسلم من فرائض وعبادات، وما طُلب منه من تكاليف، والالتزام بالانتهاء عما نُهي عنه. أما عكس الأمانة: الخيانة، التي تعني: تصرُّف الشخص فيما اؤتمن عليه مما ليس له من الأموال وغيرها، وبالتالي السرقة والغش والخداع والمخاتلة.
الأمانة في الاصطلاح
يقول المثل الشعبي: (لا تخون الأمانة ولو كنت خوان) فالأمانة هي الخصلة الإنسانية التي بفقدانها يسقط الشخص أخلاقياً. قال النبي صلى الله عليه وسلم-: (آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّثَ كذبَ، وإذا وعَدَ أخلفَ، وإذا اؤتُمِنَ خان).
وقيل إنّ المراد بالأمانة اصطلاحاً أنّها: التَّعفُّف عن كلِّ ما يمكن للإنسان أن يتصرَّف فيه مِن الأموال والأشياء النفيسة وغير ذلك مما ليس في ملكه، والأمانة تعني الاستقامة والالتزام بالعهود والمواثيق. وقد عُرف العرب بالأمانة منذ القدم، يقول المؤرخ الإغريقي هيرودوت في تاريخه: إن العرب هم أكثر أهل الأرض التزاماً بالعهود، وجاء الإسلام ليرسخ هذا المفهوم، قال تعالى في وصف المؤمنين (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ). ونجد ها هنا بأن الأمانة باتت ذات صلة بالتزام الانسان تجاه خالقه. وهذا ما يشير إليه الفقيه أبو البقاء الكفوي في تعريفه للأمانة، بقوله: هي كلُّ ما افترضه الله -سبحانه وتعالى- على العباد من تكاليف وفرائض وأحكام، كالصلاة والزكاة والصيام، وجميع أحكام الإسلام، وأداء الأمانات كالودائع التي يحفظها الناس لدى المسلم، وأهمُّها حفظ الأسرار وكتمها. إذاً باتت الأمانة تشتمل على جانبين مادي وروحي.
أهمية الأمانة:
يُحكى عن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز أنه جلس يوماً يقرأ رقاعاً كُتبت فيها حوائج الناس على ضوء مصباح، فدخل عليه خادمه ليحدّثه عن أمور بيته، فأمره الخليفة بإطفاء المصباح، وقال حدثني الآن فإن زيت المصباح من بيت مال المسلمين ولا يجوز استعماله إلا في أشغال المسلمين. وهذه صورة مدهشة من صور الأمانة، فالخليفة يرفض التفريط ولو بقطرة زيت من أموال الرعية التي اؤتمن عليها، فالأمانة ضرورة لحفظ الأرزاق والأنفس وهي ذات فضائل عديدة تشمل العديد من جوانب الحياة . ويمكن أن نوضح عدة جوانب لأهمية الأمانة بالنسبة لكل طبقات المجتمع، من خلال النقاط الآتية:
الأمانة تكسب الإنسان محبة الآخرين وثقتهم. فمن كان أميناً أمنه الناس وذاع صيته ودخلت محبته قلوب الجميع.
الأمانة تزيد الاستقرار والتآلف في المجتمع، حيث تنتشر الثقة بين الناس، وتعمّ الأخلاق الحميدة، ويأمن الناس على أموالهم وممتلكاتهم وأعراضهم.
الأمانة سبيل إلى الفوز برضا الخالق الذي وعد أهل الأمانة بالثواب قال تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (
الأمانة تؤدي إلى اتقان العمل. فالفرد الأمين مع نفسه يؤدي عمله بإخلاص وصدق، دون أن يكون له محرّك سوى ضميره وبالتالي ينتج عملاً صادقاً بعيداً عن الرياء. فالمدرّس الأمين ينقل العلوم بإخلاص إلى الطلاب فينير عقولهم ويوسّع مداركهم. وبذلك تزدهر العلوم ويسمو الانسان، وهذا يجري على الفلاح و العامل والتاجر، فالأمانة في العمل تنعكس نجاحاً واتقاناً.
الحواس والمدركات كالبصر والصحة والتفكير والروح، هي أمانات أودعها الخالق لدى الانسان ليحافظ عليها وليسمو بها، فلا يجعلها سبيلاً لإيذاء البشر ونشر الكراهية، والبطش بهم وخداعهم، و ألا يرمي بنفسه إلى التهلكة باتباع ما هو ضار وشرير من مسلك أو أفكار. والروح أمانة، يقول البعض عند وفاة شخص ما (لقد استعاد لله أمانته التي أودعه إياها).
الحياة الموهوبة إلى الإنسان هي أعظم أمانة، فمن اللائق أن ترد الأمانة إلى صاحبها محفوظة ومصانة.









