الأحلام، رموز عقليّة أم دلالات غيبيّة
الأحلام عالم كامل ينفصل عن واقعنا، ويقع بعيداً في جزيرته الخاصة التي تفصل بينه وبين الواقع بحر عباب عميق لا يمكن سبره. للأحلام رموزها المعقدة ودلالاتها الغريبة، ينقلب فيه الحدث إلى إيحاء كأنه قصيدة شعرية على القارئ أن يقرأ ما بين سطورها ويحلل صورها بدقة لفهمها.
ولطالما شغلت الأحلام من جهة ماهيتها وتعبيراتها ومصادرها العقل البشري. كيف ينام الانسان فيرى في نومه أفعى أو شخصاً ميتاً يكلمه ؟ من أين أتت تلك الصور؟
الحلم عند ابن سيرين
في القرن الثالث عشر الميلادي ألف اللغوي وعالم الحديث ابن سيرين كتاباً أسماه تفسير الأحلام الكبير حاول أن يضع فيه أسساً واضحة لمعنى كل رمز أو عنصر يراه النائم في الحلم، بدءًا من النملة وحتى السماوات والكواكب، مروراً بأصناف الحيوانات والتضاريس الجغرافية والملابس وأطباق الطعام والموت والحياة والحزن والفرح، وكل ما قد يخطر على بال. فعلى أي أساس اعتمد ابن سيرين في تصنيف كتابه الفذ هذا؟
يقول ابن سيرين في مقدمة كتابه:
"الحمد لله رب العالمين ..وصلى الله على أجل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين .. اعلم وفقك الله أن مما يحتاج إليه المبتدئ أن يعلم أن جميع ما يُرى في المنام على قسمين: فقسم من الله تعالى وقسم من الشيطان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : الرؤيا من الله تعالى والحلم من الشيطان. "
ويلاحظ أن ابن سيرين قد قسم الأحلام إلى رؤى وأحلام. وهذا يعود إلى المصدر كما ذكر، فهو يجزئ الأمر حسب الغاية والمعنى الذي ينطوي عليه، فالرؤيا هي ما صدق وتنبأ عن واقعة وجاء بالبشارة و الإنذار.
أما الحلم فهو ما كان مكروهاً منطوياً عن فتنة أو ترويع باطل دون تحذير من الذنوب والزجر عن المهلكات، وبعبارة أخرى ما يراه المرء من حض على المتع والشهوات هو شيطاني بالضرورة.
ويصنف ابن سيرين المزيد من الأحلام، حيث يعيد صدق المنامات إلى طبيعة الرائي نفسه ! فمثلاً رؤية المنجم هي كاذبة حتماً أي من الشيطان. فالحديث الشريف يقول كذب المنجمون ولو صدقوا. والشخص الذي يكذب كثيراً في يقظته لا بد أن يكذب في منامه.
في حين أن ما يراه الطفل الصغير هو صحيح دائماً لأنه بريئ ولا يعرف الشر. وهذه لفتة لطيفة من ابن سيرين.
يقول ابن سيرين:
"أما رؤية الانبياء والرسل فهي صحيحة وذلك أنهم صادقون ولا يظهرون إلا بنفسهم فلا تتلبسهم الشياطين والعياذ بالله."
وبالإجمال يدعو ابن سيرين إلى الدراسة والبحث في معنى الموجودات لدى الشعوب وفي المعتقدات الدينية لأنها تؤسس قاعدة يمكن أن تبين غموض الرموز. ويصر على التقوى والمداومة على الصلاة والذكر كي يحصل الإلهام في التفسير، وهذه نظرة صوفية ترجح كفة اعتبار الاحلام من وجهة نظره اتصالا بعالم الغيب.
الحلم في نظرية سيغموند فرويد
في عام 1900 نشر سيغموند فرويد رائد مدرسة التحليل النفسي كتابه تفسير الأحلام الذي يتناول فيه هذه القضية من وجهة نظر مغايرة تماما ً، فيقول في مقدمة كتابه:
"إن هدفي من هذا الكتاب أن أقيم الدليل على أن الأحلام ليست خالية من المعنى وإنما يمكن الوصول إلى تأويل لها ..فما من أحد كان يرى أنها شيء منطقي معقول من معدن المعقولات البشرية المعهودة لنا، وكانوا يرون الأحلام ذات مغزى غير طبيعي فمنهم ربطها بعالم الغيب وعلامات القدر و النذير .. أما أنا فأرى الأحلام مجرد علامات تدل على عمليات نفسية وفعلية وما علينا إلا أن نعثر على الشيفرة لهذه العلامات حتى نحصل على المعنى الحقيقي."
لنقف على حقيقة ما يرمي إليه فرويد سنستعين بأرشيفه عن تفسير الأحلام. يفسر فرويد الحلم التالي: "سيدة ترعى ابنها المريض على مدار اليوم رأت في منامها أنها في صالون أدبي واسع فيه كل نجوم الأدب المفضلين عندها وقد أبدوا تجاهها احتراماً و مودة."
يقول فرويد : "من السهل أن نعرف الرغبة التي يعبر هذا الحلم عن تحقيقها، وهي التخلص من هذا الحبس و السهر و التمريض المضني إلى أنواح من المتع الذهنية والروحية .
أما إذا طلبنا من ابن سيرين تأويل هذا المنام فسيبدأ بسلسلة من الأسئلة عن حالة القمر أو الساعة التي رأت فيها السيدة المنام، ومن ثم عن نوعية الأشخاص الذين رأتهم هل هم من أفاضل الناس المشهود لهم بحسن السيرة أما لا. فإن كانوا محمودين فهي معهم وهي سيدة فاضلة لا شك أما إذا كانوا على العكس فهي منهم و الانسان مع من يحب.
هذا التباين يقوم على أساس جوهري في فكر فرويد الذي يعتبر أن الأحلام صورة بصرية تعبر عن اندفاعة نفسية كانت تصادرها اليقظة، فسحة هائلة ومتنفس للاشعور الذي كبتت فيه الرغبات.
ولكن إذا اعتبرنا أن الأحلام بالمفهوم الفرويدي هي رغبة مكبوتة إذاً فما بال الكوابيس المروعة تهاجم أحلام الإنسان فتجعله ينتفض من الذعر ويصرخ طالباً النجدة؟ هل هذه رغبة ما؟ هل يمكن أن يتمنى الشخص الخوف والرعب؟
يجيب فرويد بأن هذا لا ينفي وجود رغبة بل على العكس يثبت ذلك بالدليل القاطع. فالخيالات المخيفة ناجمة عن آلية الكبت التي تقوم بها الشخصية الاجتماعية وضراوتها وقسوتها في القمع. فعندما يرى شخص بأن حيواناً مخيفا يلاحقه فهذا رمز للضمير الاجتماعي. بعبارة أخرى يفكر الشخص في يقظته بالسطو على بنك للتخلص من أعباء الديون بيد أن الضمير الاجتماعي يقرر أن هذا عمل سيء ولا أخلاقي وعيب، فيشعر الشخص بتأنيب الضمير لأنه فكر بمثل هذا التفكير السيء. خلال النوم تنعكس تلك الرموز فتتبدى رغبته الشريرة في صورة وحش ويفر منها دلالة على استنكاره إياها.
ونلاحظ ها هنا تطابقا مع وجهة نظر ابن سيرين الذي يعتبر الوحوش والكوابيس إنذارات وروادع عن أفعال سيئة ونوايا خبيثة. لكن الفرق الجوهري بين هذين العالمين أن ابن سيرين يصر على الطابع الغيبي للأحلام وصلتها بالإشارات و النبوءات الإلهية، في حين ينفي عنها فرويد هذه الصفة كلياً ويعتبرها انعكاسا لرغبات وغرائز مكبوتة.
خاتمة
لا شك بأن عالم الأحلام عالم كامل مواز لعالمنا، يحفل بالرموز والحكايات السعيدة والحزينة والصور البهية والمحبطة. المهم أنها أحلام، ولكن الانسان السوي وصاحب الإرادة لا ينتظر لتحقيق طموحاته أو لحل مشاكله أي رؤيا أو حلم، بل يقرر ويفعل.









