برغم التوقعات المتفائلة لوكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني (Fitch Ratings) بشأن الاقتصاد التركي، حيث تشير التوقعات بعودة الاقتصاد التركي للنموّ بحدود 3.5% خلال العام الجاري 2021، مدعومًا بتسارع وتيرة النشاط الاقتصادي المحلّي، ورغم تأكيد الموقع الأمريكي "المونيتور" على أنّ "الارتفاع الكبير في الصادرات كان محركًا رئيسيًا لمعدل نمو الاقتصاد التركي بنسبة 21.7% في الربع الثاني من العام الحالي"، فإنّ الانحدار الكبير الذي سجلته الليرة التركية مقابل الدولار يطرح أكثر من تساؤل حول مستقبل الاقتصاد التركي في ظلّ فقدان العملة التركية لقيمتها في السوق العالمية، والتضخم الكبير الذي تعيشه تركيا والذي أثّر بصفةٍ مباشرةٍ على ارتفاع الأسعار وكذلك ضعف المقدرة الشرائية للمواطن التركي.

ويحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على خفض سعر الفائدة الذي كان رفعه المحافظ السابق للبنك المركزي التركي، الذي تمت إقالته، إلى مستوى 19%. ويقارن أردوغان بين سعر الفائدة في تركيا ودول مجموعة العشرين، مشيرًا إلى أنّ سعر الفائدة في هذه الدول يتأرجح بين 0 و1%، بينما بلغ في بلاده 19%، وهو ما جعله يتدخل أكثر من مرّةٍ في قرارات البنك المركزي، مشيرًا إلى أنّ ارتفاع سعر الفائدة لا يمكن أن يؤدّي إلى تحسين مكانة الليرة التركية، أو الرفع من نسبة النموّ، والتشجيع على الاستثمار، والرفع من عائدات التصدير.

فإلى أين يسير الاقتصاد التركي في ظلّ التخبّط الذي تعيشه العملة التركية؟، وكيف نفهم الاقتصاد التركي من خلال التناقض الذي يعرفه؟، وهل سينجح أردوغان في جعل الاقتصاد التركي من بين الاقتصادات العشرة الأولى في العالم، كما قال؟.

 

الليرة التركية بين أردوغان والبنك المركزي

 

انخفضت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار إلى مستوى 11 ليرة، تقريبًا، الإثنين الثاني والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وهو ما يمثل انتكاسةً جديدةً للاقتصاد التركي الذي بلغ فيه مستوى التضخم إلى 19%.

ومثلما كان متوقّعًا، وبتدخّلٍ من الرئيس أردوغان، قرّر البنك المركزي التركي في الثّامن عشر من الشهر الجاري، تخفيض سعر الفائدة الرئيسي إلى 15%، وأوضح في بيانٍ له، أنّ لجنة السياسة النقدية "قامت بتقييم التحليلات المتعلّقة بعوامل الطلب التي يمكن أن تتأثّر بالسّياسة النقدية، وتطورات التضخم الأساسي، وتأثيرات الصّدمات على الإمدادات، وقررت خفض معدل الفائدة بمقدار مائة نقطة أساس إلى 15%".

وسبق لهذه اللجنة أن قام بتخفيض سعر الفائدة، خلال الشهر الماضي، بمائتيْ نقطةٍ أساس إلى 16%، بعد تخفيض في شهر سبتمبر، بمائة نقطةٍ أساس.

وأكد أردوغان أنه سيواصل معركته في مواجهة سعر الفائدة، إلى النهاية، مشيرًا إلى أنه "سيرفع عبء أسعار الفائدة عن الشعب، وحثّ الشركات على الاستثمار، والتوظيف، وزيادة الصادرات".

وقال في اجتماع لحزب العدالة والتنمية: "سنرفع سوط أسعار الفائدة عن ظهور الناس، حيث لا يمكننا أن نسمح لشعبنا بأن تسحقه أسعار الفائدة"، وبالتالي "لا يمكنني أن أقف، ولن أقف في هذا المسار مع أولئك الذين يدافعون عن أسعار الفائدة".

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، سجلت الليرة التركية خسائر بنسبة 64%، إلى جانب انخفاض في مستوى 30% خلال العام الجاري، وهو ما جعل التضخم يبلغ حدود 19.89% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بحسب هيئة الإحصاء التركية، ما قلّص من القدرة الشرائية للمواطن التركيّ.

ويتوقّع البنك المركزي التركيّ أن تتقلّص نسبة التضخّم في نهاية العام الجاري 2021، إلى حدود 18.4%، مقارنةً بتوقّعاتٍ، منذ أشهرٍ، كانت في حدود 14.1%.

وأفاد المحلل الرئيسي المعني بتركيا لدى وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني "دوغلاس وينسلو" بأنّ "العناصر التي يمكنها التأثير بشكلٍ إيجابيٍّ في الفترة المقبلة على النظرة المستقبلة، ودرجة التصنيف الائتماني لتركيا، تتمثل في خفض معدّل التضخم بطريقةٍ مستدامةٍ، وإعادة بناء مصداقية السياسة النقدية".

وأكد "وينسلو"، في تصريح لوكالة الأناضول على "ضرورة زيادة الثقة في استدامة التمويل الخارجي لتركيا، وزيادة المدّخرات المحلية، والحدّ من تحويل النقد المحلي إلى أجنبي، وتقليل الاعتماد على القروض، والاقتراض الخارجي، لتحقيق زيادة نسبة النمو".

 

مظاهر قوة وضعف الاقتصاد  التركي

 

أشار تقريرٌ لموقع "مودرن بوليسي" ( modern policy) الأمريكي، إلى أنّه "من الواضح أنّ السياسة النقدية المتشدّدة، والصادرات المتزايدة، عاجزةٌ على التصدّي لتأثير الواردات التي تدفع معدلات التضخم بشكلٍ هائلٍ، وبدوره يؤدّي تراجع قيمة الليرة إلى تفاقم العجز".

واعتبر التقرير أنّ مقارنة الاقتصاد التركي باقتصادات الدول الأوروبية يكشف التحدّي التركي "للديناميكيات الإقليمية، واستمرارها في فعل ذلك حتى في الوضع الراهن"، حيث حقق الاقتصاد التركي نسبة نموٍّ بلغت 7% في الربع الأول من العام الجاري 2021، مقارنةً بالفترة ذاتها من العام الماضي 2020.

ويُعتبر انخفاض قيمة الليرة التركية، أبرز الأسباب الرئيسية في ارتفاع الأسعار، حيث أعلن معهد الإحصاء التركي عن ارتفاع الصادرات بنسبة 10.2%، بينما تجاوزت الواردات نسبة 16.8% مقارنة بشهر يوليو 2020، وهو ما جعل العجز التجاري يرتفع بنسبة 51.3% بقيمة تقارب 4.278 مليار دولار، في يوليو الماضي.

واعتبر الخبير الاقتصادي المصري، عبد الحافظ الصاوي، أنّ الاقتصاد التركي "متنوّعٌ"، حيث يضمّ "الناتج المحلّي الإجمالي لتركيا مساهمةً ملموسةً لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتجارة وباقي مكونات قطاع الخدمات"، مشيرًا إلى أنّ الاقتصاد التركي بلغ في العام 2020 نحو 5.05 تريليون ليرة، بما يعادل 720 مليار دولار، وفق أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي.

وأشار إلى وجود "قاعدةٍ إنتاجيةٍ قويةٍ"، تمكّن الاقتصاد التركي من تحقيق معدلات نموّ عاليةٍ مقارنةً بدولٍ أخرى، وهو ما جعله يحقق نسبة نموّ 1.8% في 2020 برغم تداعيات جائحة كورونا.

وأمام انخفاض قيمة الليرة التركية، ترتفع الصادرات السلعية التي بلغت 200 مليار دولارٍ في 2020، ووصلت إلى حدود 211 مليار دولارٍ في الأشهر التسعة الأولى من 2021.

وأكد تقرير لمعهد ستوكهولم للسلام، أنّ قطاع التسليح العسكري شهد ارتفاعًا في التصدير بنسبة 30% بينما انخفضت الواردات بنسبة 59% من ذات القطاع خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وتتمثل القضية الأولى التي تؤثر بشكلٍ كبيرٍ على الاقتصاد التركي، في اعتماد تركيا على استيراد حاجياتها من النفط بنسبة قد تصل أحيانًا إلى 90%، وهو ما حدا بالدولة التركية إلى التشجيع  على تنويع مصادر توليد الطاقة.

وتمّ الإعلان، عن اكتشاف كمياتٍ هائلةٍ من الغاز الطبيعي في حقولٍ في البحر الأسود، تكفي لتغطية احتياجات تركيا لثماني سنواتٍ.

وأشار الخبير الاقتصادي المصري، في تقريرٍ نشرته "الجزيرة" إلى اعتماد القطاع الخاص في تركيا على التمويل الخارجي، وهو ما يمثل إحدى نقاط الضعف التي تؤثر على الاقتصاد التركي، مفيدًا بأنّ قيمة الدين الخارجي التركي بلغت 440 مليار دولار، بحسب تقارير للبنك الدولي للعام 2019، 65% منها ترتبط بالقطاع الخاص.

وأكد الصاوي أنّ معدل التضخّم ارتفع في سبتمبر الماضي، ليصل إلى حدود 19.85%، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة التركية خفضه إلى مستوى 16%  في نهاية العام الجاري 2021، مشيرًا إلى أنّ هذا التضخم يترتّب عن العرض والطلب، معًا، بمعنى أنّ "سعر الفائدة مرتفعٌ، حتّى بعد خفضه إلى 18% في سبتمبر/أيلول الماضي، فارتفاع سعر الفائدة يؤدّي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والخدمات، وبخاصّةٍ إذا ما كان الاقتصادي يعتمد على الائتمان المصرفي بشكلٍ كبيرٍ".

 

المحرّك الرئيسي للنمو في تركيا


قالت "المونيتور" في تقريرٍ لها، إنّ الارتفاع الكبير في الصادرات كان محرّكًا رئيسيًا لمعدل نموّ الاقتصاد التركي بنسبة 21.7% في الربع الثاني من العام الجاري، موضّحًا أنّ الصناعة التركية "تعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على المواد المستوردة، ما يعني استمرار مشكلة عجز الحساب الجاري لتركيا على الرغم من الزيادة القياسيّة في الصادرات". 

وإلى جانب التأثير الأساسي القويّ للربع الثاني من العام 2020، عندما انكمش الاقتصاد بأكثر من 10%، يعزا معدل النموّ الكبير بزيادة الصادرات، بنسبة 11%، كما ساهم فيه انتعاش الطلب المحلّي بنسبة 14%.

وأعلنت وزارة التجارة التركية في سبتمبر الماضي، عن ارتفاع الصادرات بنسبة 37% إلى أكثر من 140 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، وزادت الواردات بنسبة 26% إلى نحو 170 مليار دولار، ما يعني عجزَا في التجارة الخارجية يقارب 30 مليار دولار.

وبلغت قيمة الصّادرات، مستوىً قياسيًّا، وفق ذات البيان، على أساس سنويٍّ 208.4 مليارات دولار، والواردات 255.2 مليار دولار، ممّا يؤدّي إلى عجزٍ بنحو 47 مليار دولار، وهي الأعلى منذ 2013، سواء للصادرات أو الواردات، بحسب "المونيتور".

وتتوقع الحكومة عجزًا في الحساب الجاري يصل إلى 21 مليار دولارٍ بنهاية العام الجاري 2021.

 

المستفيدون والخاسرون من تراجع الليرة أمام الدولار

 

شهدت اللّيرة التركية انحدارًا كبيرًا منذ العام 2013، وفي ظلّ هذا التراجع، هناك مستفيدون، هناك خاسرون. يقول الخبير الاقتصادي الصاوي، المستفيدون، في المقام الأول هم المضاربون على سعر العملة، الذين يراقبون السّوق منذ فترةٍ، ويعملون على الاحتفاظ بقدرٍ كبيرٍ من العملات الأجنبية لبيعها في هذا التوقيت، وأيضًا، هناك منافعٌ تعود على قطاع السياحة، وقطاعات الأنشطة التصديرية".

أما الخاسرون، فهم "المدّخرون، الذين احتفظوا بمدخراتهم بالعملة المحلية خلال الفترة الماضية، حيث انخفضت القدرة الشرائية لمدخراتهم، وتراجع قيمة ما لديهم من ثروةٍ، لذلك فهذه الشريحة تفضّل رفع سعر الفائدة، ليعوّضهم عن هذه الخسائر، وكذلك المستوردين الذين تعتمد تجارتهم أو أنشطتهم الإنتاجية على الاستيراد من الخارج، ففاتورة وارداتهم سترتفع في ظلّ تراجع الليرة، وكذلك المَديونون بالعملة الأجنبية سواء لجهاتٍ محليةٍ أو دوليةٍ، فتدبير التزاماتهم بالعملة الأجنبية، سيكلّفهم الكثير في ظلّ انخفاض قيمة الليرة".

 

تفاؤلٌ لا يخلو من تشكيكٍ

 

في الأسبوع الأخير من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أكد الرئيس التركي أردوغان، أنّ "بلاده ستحقق عاجلًا أو آجلًا هدفها المتمثّل في الدخول ضمن أكبر 10 اقتصادات في العالم"، مضيفًا "مثلما تغلّبنا بسهولةٍ على جميع المشاكل خلال 19 عامًا، سنصل ببلادنا إلى برّ الأمان في عام 2023، الذي سنحتفل فيه بالذكرى المئوية لجمهوريتنا".

ورغم هذا التفاؤل الكبير، فإنّ خبراء اقتصاديين شكّكوا في قدرة الاقتصاد التركي على التماسك حتى نهاية العام الجاري، بحسب صحيفة "الشرق الأوسط"، وذلك على خلفيّة تغريدةٍ لوزير الخزانة المالية التركي، لطفي إلوان، على "توتير" أكد فيه أنّ نسبة النموّ بلغت 7% في الربع الأول من العام الجاري، وأنّ 56% من هذا النمو، مصدرها الطلب الخارجي والاستثمارات، متفوّقًا على اقتصادات مجموعة العشرين باستثناء الصين.

واعتبر الخبراء هذا الرقم "خادعًا"، معتبرين أنّ "توسّع الاقتصاد جاء على حساب استقرار الأسعار والعملة المحلية التي تراجعت قيمتها إلى أدنى مستوى لها". 

وأشارت توقعات ٌ سابقةٌ بأنّ نسبة النموّ ستكون في حدود 6.4% في ذات الفترة المعلنة، خاصة وأنّ الاقتصاد التركي "سجّل انكماشًا  بنسبة 1.8% خلال العام الماضي، كما أنّ تركيا تمرّ بأزمةٍ اقتصاديةٍ حادّةٍ منذ العام 2016 انعكست في ارتفاع معدل التضخم، وانهيار الليرة، وتفاقم البطالة، وسط تأكيداتٍ بأنّها تعود إلى سوء إدارة الأزمات من جانب الحكومة".

وكشف كبير الاقتصاديين في شركة "تيرا باتيريم" التركية أنّ نصيب الفرد من النّاتج المحلّي الإجمالي بالدولار انخفض بنسبة 40% تقريبًا منذ عام 2013 إلى نحو 7700 دولار العام الماضي، مؤكدًا أنّ "النموذج الاقتصادي التركي غير مستدامٍ، لأنّ النموّ مدفوعٌ أساسًا بالاستهلاك المدعوم بالإنفاق الحكومي، وحملات القروض، وهو ما يأتي على حساب الليرة واستقرار الأسعار".

ويؤكد خبراء الاقتصاد أنّ "فرض رؤية السياسة البراغماتية المتبدّلة على الاقتصاد الواقعي الثابت، يضرّ بمسيرة تركيا، ويعطي للمتربصين أعذارًا وذرائعَ، وسائل وأدواتٍ، للتدخل، وإعاقة وصول هذا النمر الاقتصادي".